
طريق العرفاء هو طريق الجمع تحت لواء التوحيد
كلّما فُتح شراع مِن أشرعة (تفريغ القلب) وُجِدَ شراع آخر ينتظر دوره. فنجده قَدّسَ الله نفسه، وبجَلَدٍ عزيز، لا يتوانى عن فتحها وإن طال به المقام. بيّن سماحته أنّ هذه الأشرعة تتمحور حول لواء التوحيد، وإلّا لكانت هباءً منثورًا. وخلاصة ما قدّمه هذه المرّة؛ أنّ للسلوك بلا استاذ نتائجَ عكسيّة، وأنّ الناس يتفاوتون في تقبّلهم للتعليمات وتعاملهم معها، وأنّ طريق العرفاء هو طريق الجمع تحت لواء التوحيد. وفي السياق نفسه تحدّث عن محل نزول الملائكة والوحي، وأنّ مَن يتجاوز حدّه يلقى عقابه، فجميع الأمور مبنيّة على حساب دقيق. ثمّ تعرّض للأفعال المتشابَهة، وعرض بعض الآيات المحكمات ذات البرامج السلوكيّة. وتحت هذه المواضيع فسّر جملة مِنَ الآيات القرآنيّة.
طريق العرفاء هو طريق الجمع تحت لواء التوحيد
17بعضٌ مِنَ الآيات المحكمات ذات البرامج السلوكيّة
هناك آية تدلّ بوضوح على الموضوع الّذي نتحدّث عنه، سأتلوها عليكم وأكمل بمشيئة الله حديثي عن هذا الموضوع في المجلس القادم بحول الله وقوّته. تقول الآية {هُوَ الَّذي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ}۱، وهي الآية الّتي تلوتها عليكم سابقًا، يقول الله فيها أنَّ القرآن الّذي أُنزل عليك يتضمّن نوعين مِنَ الآيات. فلماذا يكون هناك نوعان مِنَ الآيات؟ فلْنُؤجّل الحديث عن ذلك الآن.
إنَّ النوع الأوّل مِنَ الآيات هي الآيات المحكمات الّتي لا شكّ فيها ولا ترديد وهو قوله {مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ}، وهي الآيات الّتي تُشكّل أساس القرآن، ولا يمكن الطعن فيها ولا تأويلها، فما هي هذه الآيات؟ إنَّهنَّ أُمّ الكتاب.
توضيح آية {فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}
كم مِنَ المناسب أن نقوم مِنَ الآن وصاعدًا عندما نقرأ القرآن، بكتابة الآيات الّتي تبدو لنا أنَّها مِنَ النوع المحكم، نعم نستطيع أن نفعل ذلك؛ كالآية التالية الّتي تتضمّن برنامجًا سلوكيًّا {فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}٢، فهي واحدة مِنَ الآيات القرآنيّة الّتي تقول لك: إن كنت لا تمتلك المعلومات الكافية عن أمرٍ ما، فلا تُقدم عليه، ولا تتصرّف كما تتصرّف الأغنام، بل عليك التريّث. إنَّ قاعدة {فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ} هي قاعدة منطقيّة وعقليّة، لا أمرًا تعبديًّا. فهذه الآية ليست مِنَ الآيات التعبّدية، بل تُرشد إلى ضرورة الأخذ بحكم العقل والواقع.
فحتّى الرجل الجاهل لا يُقدِم بنفسه على بناء منزل بصفّ الحجر فوق الآخر، لأنّه سينهار لأقلّ حركة، بل تراه يستشير مهندسًا، والّذي سيقوم بإجراء التحاليل لطبيعة التربة وتماسكها، ويقوم بالإجراءات اللازمة لمعرفة قوّة الهزّات الأرضيّة الّتي تضرب المنطقة عادةً، وبناء عليه يضع التصاميم اللازمة للبناء، وإلّا فلا يوجد أحمق يصرف مقدارًا كبيرًا مِنَ المال في بناء بيتٍ سينهار عليه وعلى عائلته وعلى مَن حوله، بمجرّد هبوب عاصفة قويّةٍ، أو بسبب هزّة أرضيّة تصيب المنطقة. وهذا الأمر تراه يسري في جميع مجالات الحياة؛ فعندما يشكو الإنسان العاديّ – غير المتخصّص بالطبّ – مِن ألم رأسه أو معدته، لا نراه في مقام العلاج يتناول الخضار مِن تلقاء نفسه قائلًا: سأُشفى بإذن الله. فلعلّه يموت إن فعل ذلك، فربما كان مُصابًا بانسداد في أمعائه، فعليه حينئذٍ مراجعة طبيب لإجراء عمليّة جراحيّة خلال بضع ساعات وإلّا سيموت، فالأمر جدّي ولا يقبل التهاون.
- سورة آل عمران (٣)، جزء من الآية ۷.
- سورة النحل (۱٦)، جزء مِنَ الآية ٤٣؛ سورة الأنبياء (٢۱)، جزء مِنَ الآية ۷.
