
طريق العرفاء هو طريق الجمع تحت لواء التوحيد
كلّما فُتح شراع مِن أشرعة (تفريغ القلب) وُجِدَ شراع آخر ينتظر دوره. فنجده قَدّسَ الله نفسه، وبجَلَدٍ عزيز، لا يتوانى عن فتحها وإن طال به المقام. بيّن سماحته أنّ هذه الأشرعة تتمحور حول لواء التوحيد، وإلّا لكانت هباءً منثورًا. وخلاصة ما قدّمه هذه المرّة؛ أنّ للسلوك بلا استاذ نتائجَ عكسيّة، وأنّ الناس يتفاوتون في تقبّلهم للتعليمات وتعاملهم معها، وأنّ طريق العرفاء هو طريق الجمع تحت لواء التوحيد. وفي السياق نفسه تحدّث عن محل نزول الملائكة والوحي، وأنّ مَن يتجاوز حدّه يلقى عقابه، فجميع الأمور مبنيّة على حساب دقيق. ثمّ تعرّض للأفعال المتشابَهة، وعرض بعض الآيات المحكمات ذات البرامج السلوكيّة. وتحت هذه المواضيع فسّر جملة مِنَ الآيات القرآنيّة.
طريق العرفاء هو طريق الجمع تحت لواء التوحيد
16فالصيام الّذي صاموه – لا نستطيع أن ننكر أنّهم كانوا يصومون – قد أصبح هباءً منثورًا. فلو نظرت إلى صحيفة أعمالهم، ستجد فيه ما قاموا به مِن صلاة وصيام، ولكنّا سنجعلها الآن هباءً منثورًا، فلو أعدْت النظر إلى صحيفة الأعمال تلك لَمَا وجدت فيها شيئًا ولكانت جميع صفحاتها سوداء، ثمّ تُسلَّم تلك الصحيفة إلى صاحبها ويُقال له: تفضّل وانظر فيها، أظننت أنَّ ما يجري في الدنيا كان بلا حسيب ورقيب، حتّى تفعل ما شئت وتتعدّى على هذا وذاك دون أن تُحاسب.
الأفعال المتشابَهة
هذا هو العمل المتشابه، وتلك هي الصلاة المتشابهة. فهذه الصلاة تشبه صلاة مَن؟! إنَّها تشبه [في الظاهر] صلاة رسول الله بالأمس وفي نفس هذا المكان. ولكن أيّهما صلاة حقّ وأيّهما باطلة؟ إنَّ الصلاة الّتي يُراد بها رضا الله والقُرب والتجرّد، هي تلك الصلاة الّتي أدّيتها بالأمس، وها قد مضى الأمس وانتهى أمره، أمّا الصلاة الّتي ستؤدّيها غدًا في التاسع والعشرين مِن شهر صفر، فهي تشبه تلك الصلاة الأولى في التكبير والبسملة وضبط مخارج الحروف عند النطق بـ {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}۱ و {وَلَا الضَّالِّينَ}٢، بل لعلّ أداءك للتفخيم أشدّ وصوتك أجمل [مِن ذي قبل، ولكن صلاتك هذه تغاير الأولى في الباطن والحقيقة].
انظروا إلى الصلوات الّتي تُقام في بعض البلدان، فقد سافرتم إليها ورأيتم كيف أنَّ أئمّة الجماعات يعتنون بشدّة بالتلفّظ الصحيح في مثل كلمة {وَلَا الضَّالِّينَ} في الصلاة، وذلك لكي يستحسنه الآخرون فيُقال: يا لها مِن قراءة جميلة تلك الّتي يقرأها إمام الجماعة الفلانيّ. والحال أنّه لا توجّه عندهم إلى معاني الكلمات وإلى الله ورسوله ولا إلى جبرائيل الّذي أنزل تلك الكلمات على الرسول، بل كلّ ما يهمّهم هو كيفيّة أداء القراءة وأداء الدور التمثيليّ وتحسين الصوت. ونحن نشهد – للأسف الشديد – كيف بدأنا نُبتلى بشكل تدريجيّ بنفس هذا البلاء، فترانا بدلًا مِنَ التوجّه نحو المعنى، نُشغل أنفسنا في الأداء الظاهريّ للألفاظ وما شاكل ذلك، وهو عمل غير صحيح ونهج باطل.
إنَّ الصيام الّذي صمته في زمن رسول الله هو صومٌ حقيقةً، لأنَّه كان بإشراف رسول الله وتوجيهاته، أمّا صيامك الّذي هو مِن أجل استحكام الظلم وتمكين أنانيّتك، ومدّكَ السماط٣ في المسجد لإطعام الناس حتّى يمدحوك، فما الّذي يمكن أن يُطلق عليه؟! إنَّه عمل باطل ومتشابه، يقابل عمل الحقّ ذاك .. ما هي طبيعة العملَين؟ إنَّ كيفيّة العملَين واحدة، ففي كلتا الحالتين، يتمّ الإمساك عن المفطرات، فهذا يُمسك وذاك يُمسك أيضًا. وكلامنا هنا عن الظاهر ولسنا بصدّد الحديث عن الباطن، فما هو الفرق بينهما حينئذ؟ إنَّ الفرق هو أنّ الأوّل يقع في مسير إحياء الولاية ومذهب أهل البيت والإمام المعصوم، فيكون عملًا حقًّا حينئذٍ، أمّا الثاني فيقع في مسير إحياء المذاهب الباطلة والمعادية للولاية وإحياء المذاهب الشيطانيّة الّتي تقف في وجه مذهب أهل البيت، فستكون تلك الأعمال باطلة حينئذٍ ومِنَ النوع المتشابه، هذا مع كونهما عملَين متشابِهين في ظاهرهما.
- سورة الفاتحة (۱)، جزء مِنَ الآية ٤. (م)
- سورة الفاتحة (۱)، جزء مِنَ الآية ۷. (م)
- السِّماط هو نسيج مِن ثوب أو نحوه يُبسط ليوضع عليه الطعام. (م)
