
طريق العرفاء هو طريق الجمع تحت لواء التوحيد
كلّما فُتح شراع مِن أشرعة (تفريغ القلب) وُجِدَ شراع آخر ينتظر دوره. فنجده قَدّسَ الله نفسه، وبجَلَدٍ عزيز، لا يتوانى عن فتحها وإن طال به المقام. بيّن سماحته أنّ هذه الأشرعة تتمحور حول لواء التوحيد، وإلّا لكانت هباءً منثورًا. وخلاصة ما قدّمه هذه المرّة؛ أنّ للسلوك بلا استاذ نتائجَ عكسيّة، وأنّ الناس يتفاوتون في تقبّلهم للتعليمات وتعاملهم معها، وأنّ طريق العرفاء هو طريق الجمع تحت لواء التوحيد. وفي السياق نفسه تحدّث عن محل نزول الملائكة والوحي، وأنّ مَن يتجاوز حدّه يلقى عقابه، فجميع الأمور مبنيّة على حساب دقيق. ثمّ تعرّض للأفعال المتشابَهة، وعرض بعض الآيات المحكمات ذات البرامج السلوكيّة. وتحت هذه المواضيع فسّر جملة مِنَ الآيات القرآنيّة.
طريق العرفاء هو طريق الجمع تحت لواء التوحيد
11لذا نرى عنوان يقول «ففرّغتُ قلبي له»؛ أي قد طرحتُ كلّ ما في قلبي جانبًا وصفّيته تمامًا مِن أجل استقبال ما يريد الإمام قوله، وقد حسمتُ موقفي تجاه الإمام [حيث جلستُ وفكّرتُ في نفسي:] هل سأقبل ما يقوله الإمام أم لا، وما هو مقدار قبولي لكلامه، فهل سيكون بمعدّل ثلاثين بالمائة مثلًا، وهل سأعمل بكلامه ما دمتُ مضطرًا فقط ثمّ أهمله في غير ذلك الحال أم لا؟! فنرى عنوانًا يقول هنا: بل سأفرّغ قلبي له.
محل نزول الملائكة والوحي
ولا بدّ حينئذ أن يساعد اللهُ العبدَ ليتحقّق له ذلك، فكلّ ذلك بيد الله، ولا بدّ أن يأخذ الله بيد الإنسان ليتمكّن مِن حفظ هذه الحالة؛ فإن تمكّن المرء مِنَ المحافظة عليها، سيتقدّم في الباطن وإن لم يتقدّم في الظاهر، شريطة أن يمتلك هذه الحالة. أمّا إن فَقَدَها، فلن يكسب شيئًا ولو حضَر مئة ألف مجلسٍ مِن مجالس عنوان البصريّ وحضَر مئة ألف مجلسٍ مِن مجالس عزاء سيِّد الشهداء. نعم، لو حضَر مئة ألفٍ أو مليون منها [وهو فاقد لهذه الحالة] لما اكتسب منها شيئًا، [وبالتالي] لن يتعدّى ذهابه وإيابه كونه بذلًا للجهد والوقود والوقت دون الحصول على أيّة نتيجة أو فائدة.
على مَن يحضر مجلسًا مِن مجالس الذِّكر أن يصفّي قلبه مِن كلّ ما مِن شأنه الحيلولة دون ورود النور الإلهيّ إليه، ومِن كلّ ما مِن شأنه منع الملائكة مِنَ الدخول إلى هذا القلب. وذلك لأنّ تلك الحالات والنورانيّة والروحيّة إن حصلت لأحدنا، إنَّما تحصل بواسطة نزول الملائكة الربوبيّين على قلوبنا، وهي تنزل علينا بنفس الطريقة الّتي تنزل بها على قلوب الأنبياء، غير أنّ ما ينزل على قلوب الأنبياء هو مِن نوع الوحي، أمّا ما ينزل على قلوبنا فهو مِن نوعٍ آخر، فنزول الوحي خاصّ بالأنبياء دوننا، أمّا نفس نزول الملائكة فكما يحصل للأنبياء فهو يحصل لكلّ مَن أخلص لله وصفّى نفسه.
إنَّ الملائكة يدخلون القلب بنفس تلك الكيفيّة [الّتي يدخلون بها على قلوب الأنبياء]، فيزرعون الأثر المعنويّ والروحيّ والتجرّدي، الّذي يقطع بدوره الإنسانَ عن التعلّقات الدنيويّة وتترتّب به الآثار؛ آثار حضور المجلس الأوّل والثاني، وآثار أنشطته في الشارع وفي بيته وعند استخدامه الهاتف واستماعه لكلام ما .. فتحلّ تلك الآثار الواحدة تلو الأخرى في القلب، وهو أمر خارج عن إرادتي وإرادتك، فليس لك أيّ دخل فيما يحصل لك مِن شعورٍ روحيّ متميّز وحالٍ معنويّ ومشاهداتٍ عند حضورك مجالس عزاء سيِّد الشهداء ومجالس ولادة وشهادة أهل بيت العصمة ومجالس الوعظ والذِّكر وتصفية النفس، نعم إنَّ مصدر هذا الأمر هو شيء آخر، وهذه الحالات تحصل نتيجة الارتباط مع الملائكة.
