
الأحكام والمباني الإلهيّة عامّة لكلّ زمان
بيّن سماحة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ أنّ الأحكام والمباني الإلهيّة لا تختصّ بزمان فليست آنيّة ولا سياسيّة، وهي تراعي الاختلاف التكوينيّ للجنسين على مرّ العصور، ومَبنيّة على غايات وموازين وحسابات في غاية الإتقان. كما أوضح أنّ التفوّق المُدّعى في بعض المجالات للعصر الحديث على العصور القديمة باطل، فتجاوزات عصرنا لم تبلغها تجاوزات المتقدّمين. ثمّ استفاض في بيان قاعدة أنّ معيار حُسن الأمور هو موافقتها لإرادة ورضا الله تعالى، فقد يكون الفعل نفسه حسن في مقام وقبيح في مقام آخر. ثمّ أفصح عن وجه الإعجاز في قوله × «إن استطعت أن لا يعرفنَ غيرك فافعل». وبيّن بعض الدقائق في قوله تعالى حكاية عن الشيطان قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعينَ. ثمّ عرّج (قدس الله سرّه) للإجابة على بعض الأسئلة الّتي ترجمنا منها ما يلي؛ معنى الرجعة – معنى حوض الكوثر – دور الحبّ والعشق في السلوك العقلانيّ.
الأحكام والمباني الإلهيّة عامّة لكلّ زمان
4لقد طرحتُ عليكم هذا الموضوع مرّات عديدة؛ فما الّذي سيجعل الأحكام الّتي شُرّعت في ذلك الزمان مختصّة به، وما الّذي سيجعلها غير قابلة للتطبيق في هذا الزمان، كما يقول بعض جهلة هذه الأيّام؟! فأيّ شيء قد تغيَّر في العالَم لِيحول دون ذلك؟! أيكون ذكاء الناس قد ازداد عمّا كان عليه مِنْ قبل؟! وهل ترقّت علومهم الأدبيّة؟! وهل ارتفع مستواهم الثقافيّ عن مستوى تلك الأمم؟! كلّا، بل أنا أقسم بالله، بأنَّها قد انحطّت ألف مرّة عمّا كانت عليه.
التفاوت الأدبيّ الجسيم بين العصرين الحديث والقديم
سأضرب لكم مثالًا على ذلك؛ فلننظر إلى الشعر العربيّ – ولا كلام لي الآن عن الشعراء الإيرانيّين – فأيّ مِنْ شعراء العرب في القرون الأخيرة قد وصل إلى بلاغة وفصاحة شعراء الجاهليّة وفترة ما قبل الإسلام؟ لا يوجد أحدٌ منهم أبدًا، بل لم يصلوا حتّى إلى عُشر ما كان القدماء قد وصلوا إليه. فما وصل منهم أحدٌ في الأدب والبلاغة إلى ذرّة ممّا وصل إليه أولئك الّذين عاشوا قبل ألف وأربعمائة سنة. وأنا لا أقول هنا أنّ مستوى هؤلاء أقلّ بقليل مِن أولئك، بل أقول أنّهم لم يصلوا حتّى إلى ذرّةٍ ممّا وصلوا إليه.
هذا فيما يخصّ الجانب الأدبيّ؛ فعندما يقرأ أحدنا قصيدة لأولئك الشعراء القدامى أمثال الفرزدق وامرؤ القيس والمتنبيّ ولبيد ومجنون ليلى (وهو قيس بن عامر)۱، يضع يده على فمه مِنَ الحيرة .. فأيّ مستوى أدبيّ وبلاغيّ للرجل [منهم] .. فهو في سُموٍّ بحيث يجعله يُحلّق في فضاء أدبيّ ينتقي منه تلك الاستعارات الدقيقة والظريفة والعميقة. فمَن مِن شعراء العرب في القرون الأخيرة تمكّن مِنَ الإتيان بمثل ما أتى به قيس بن عامر أو لبيد أو الفرزدق أو امرؤ القيس؟
ولْنرَ الآن حال شعراء هذا البلد، أقصد إيران الّتي يقول عنها البعض أنَّها بلد الحضارة منذ آلاف السنين، فلو ألقينا بيتًا واحدًا مِن شعر الشاعر حافظ الشيرازيّ المعروف، فمَن مِن شعراء العصور المتأخّرة يستطيع أن يبلغ منزلته؟! بل سيكون أمرًا مضحكًا أن يُقارن به! ففي أيّ عصر عاش حافظ؟ إنَّه عاش قبل سبعمائة سنة تقريبًا. ومَن منهم استطاع أن يبلغ منزلة سعدي الشيرازيّ في الشعر والأدب؟ لم يتمكّن أحد مِن ذلك أبدًا! ومَن منهم استطاع أن يبلغ مبلغ العارف المشهور فريد الدين العطّار النيشابوريّ؟! فلْيؤلّف أحدهم ديوانًا كديوان منطق الطير، أو فلْيَقُل شعرًا يتضمّن شيئًا مِنَ الأسرار الغيبيّة! ومَن مِنَ شعراء هذا القرن الأخير – المسمّى بعصر الذرّة واكتشافات القوى الطبيعيّة الخارقة والآثار الكامنة في المادّة، الّتي تمّت على يد الغربيّين الّذين يتفاخرون بأنفسهم، والذين سنتحدّث عن فضائحهم لاحقًا – [استطاع أن يأتي بشعر كأشعار المتقدّمين] .. مَن مِنَ الشعراء استطاع أن يبلغ مقام مولانا جلال الدين محمّد البلخيّ صاحب الكتاب النفيس وإكسير السعادة (المثنوي)؟! فالكثير مِنَ الشعراء الإيرانيّين – سواء مَن يعيش داخل إيران أو خارجها – مِمّن قال شعرًا وادّعى تضلّعه في الأدب، عندما نقرأ أشعارهم ونقارنها بأشعار مولانا الروميّ – سواء ما جاء منها في ديوانه (شمس [التبريزيّ]) رضوان الله عليه أو في كتابه (المثنوي) – سنجدها بمثابة [الفرق بين] قراءة جريدة وقراءة كتاب (گلستان) للشاعر سعدي الشيرازيّ؛ فعندما يضع أحدكم أمامه كتاب (گلستان) وجريدة [ويقرأهما] سيعرف عندها الفرق بين الاثنين. فمتى استطاع أولئك المدّعين للأدب والثقافة والبلاغة أن يصلوا إلى مستوى سعدي الشيرازيّ؟! ومتى تمكّن واحد مِن شعراء العرب أن يأتي بشعر مثل شعر ابن الفارض المصريّ الّذي عاش قبل سبعمائة عام تقريبًا؟! لا يمكن المقارنة بينهم أبدًا.
- لعلّه قصد (قيس بن الملوّح) الّذي يرجع نسبه إلى (عامر بن صعصعة) إلى (معد بن عدنان)، وهو عامريّ هوازنيّ. (م)
