
الأحكام والمباني الإلهيّة عامّة لكلّ زمان
بيّن سماحة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ أنّ الأحكام والمباني الإلهيّة لا تختصّ بزمان فليست آنيّة ولا سياسيّة، وهي تراعي الاختلاف التكوينيّ للجنسين على مرّ العصور، ومَبنيّة على غايات وموازين وحسابات في غاية الإتقان. كما أوضح أنّ التفوّق المُدّعى في بعض المجالات للعصر الحديث على العصور القديمة باطل، فتجاوزات عصرنا لم تبلغها تجاوزات المتقدّمين. ثمّ استفاض في بيان قاعدة أنّ معيار حُسن الأمور هو موافقتها لإرادة ورضا الله تعالى، فقد يكون الفعل نفسه حسن في مقام وقبيح في مقام آخر. ثمّ أفصح عن وجه الإعجاز في قوله × «إن استطعت أن لا يعرفنَ غيرك فافعل». وبيّن بعض الدقائق في قوله تعالى حكاية عن الشيطان قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعينَ. ثمّ عرّج (قدس الله سرّه) للإجابة على بعض الأسئلة الّتي ترجمنا منها ما يلي؛ معنى الرجعة – معنى حوض الكوثر – دور الحبّ والعشق في السلوك العقلانيّ.
الأحكام والمباني الإلهيّة عامّة لكلّ زمان
3عندما يُشرِّع رسول الله حكمًا، سيكون كفرًا إن تمّ النظر إليه على أنّه سياسيّ. ثمّ هل اختلفت الظروف في زمن عمر عنها في زمن رسول الله؟ [وإن فرضنا اختلافها] فما هي وجوه الاختلاف؟! دعونا نتصفّح الكتب عسى أن نجد فيها ما نستطيع أن نزخرفه ونعطيه صبغة واقعيّة [هذا ازدراء مِن سماحته]!! فما الّذي تغيّر؟! لم يتغيّر أيّ شيء، فطول قامة الإنسان الّتي تتراوح بين المتر والنصف والمترين لم تتغيّر عمّا كانت عليه، وكذا الأمر بالنسبة إلى نوع الطعام الّذي يتناوله؛ بل لعلّ ظروف ذلك الزمان كانت أفضل مِن ظروف الزمان الذي جاء بعده.
بناءً على هذا، يجب على المتكلّم ألّا يطلق عنان لسانه ليتكلّم عن جهل بكلّ ما يريده، إذ المتكلّم سيعرّض نفسه للمحاسبة، فلدين رسول الله مَنْ يتولّاه الآن، وهو حيّ وسيُعاقب المتجاوزين. نعم، إنَّه يضرب بتلك العصا الّتي سيظهر ألم ضرباتها ولو بعد حين.
إختلاف الأحكام بين الجنسين راجع لطبيعتهما الماديّة والروحيّة
كنتُ قد كرّرت على مسامعكم أنَّ تشريع الأحكام الخاصّة بالرجال والنساء بالشكل الّتي هي عليه، لم يكن عن غرضٍ أو مرضٍ، بل شُرّعت بناءً على مصلحةِ كلٍّ مِنَ الرجل والمرأة، فلكلّ جنسٍ مِنَ الجنسين حكمه الخاصّ به؛ فلا يمكن للرجل أن يحمل وليدًا، فإن قال أحدهم: إنَّ هذا الكلام مِن نسج الخيال، إذ بإمكان الرجل أن يحمل إن أراد ذلك، ولكن هو الّذي لم يُرد ذلك! [أقول: إنَّ هذا الكلام غير واقعيّ] فلا يتأتّى للرجل أن يحمل وليدًا، وكذلك المرأة لا يمكنها أن تقوم بأعمال الرجال. فلكلّ منهما طبيعته الخاصّة به، سواء كان ذلك مِنَ الناحية الظاهريّة الجسمانيّة أو مِنَ الناحية الروحيّة والنفسيّة. فلكلّ منهما شاكِلته الخاصّة به، وكلّ جنسٍ منهما يطوي طريقه في هذه الدنيا بمقتضى تلك الشاكِلة. فلو تبادلا الأدوار، لحصل خَلل ونقص وانحراف في أساس النظام التكوينيّ. وهذه حقيقة واقعة لا يمكن لأحد مِنّا أن ينسبها إلى الظروف الزمانيّة.
[فما يُقال] مِنْ أنَّ الأحكام الّتي شرّعها رسول الله هي أحكام خاصّة بزمانه، وهي لا تناسبنا نحن الّذين جئنا بعد ألف وأربعمائة سنة مِنْ زمن رسول الله، [هو كلام غير حكيم]، فها أنا أقول هنا: لِنفرض أنَّه قد مضى على تلك الأحكام مليون عام [لا ۱٤۰۰ عام فقط، ستبقى تلك الأحكام سارية المفعول]. فما هي علاقة مرور الزمان بهذا الأمر؟! فتلك [الأحكام] أمور واقعيّة لا دخل لي ولك فيها؛ كما أنّه ليس لنا دور في حركة الشمس [مثلًا]، إذ ما علاقة هذا الأمر بي؟! فهل أستطيع أن أَحُولَ دون حركة القمر وأمنعه مِنَ الدوران حول الأرض ثلاثين يومًا؟! كلاّ، فذلك ليس بيدي. وهل أستطيع عندما أستيقظ صباحًا أن أجعل الشمس تتسمّر في مكانها؟! كلّا، فذلك ليس بيدي. فالشمس تُشرق وتتحرّك إلى وقت الزوال، ثمّ تواصل حركتها إلى العصر والغروب، [وتستمرّ في حركتها] لتعاود الكرّة في اليوم التالي. فهل أستطيع أن أمنع المجرّات مِنَ الحركة في أفلاكها؟ كلّا، إذ لا علاقة لي بهذه الأمور. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الألف والأربعمائة عام الّتي مضتْ، فما علاقتي بها، وما علاقتك أنت بها؟! فما الّذي حصل لكي يتم طرح الموضوع بهذا الشكل المغاير؟!
