
الأحكام والمباني الإلهيّة عامّة لكلّ زمان
بيّن سماحة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ أنّ الأحكام والمباني الإلهيّة لا تختصّ بزمان فليست آنيّة ولا سياسيّة، وهي تراعي الاختلاف التكوينيّ للجنسين على مرّ العصور، ومَبنيّة على غايات وموازين وحسابات في غاية الإتقان. كما أوضح أنّ التفوّق المُدّعى في بعض المجالات للعصر الحديث على العصور القديمة باطل، فتجاوزات عصرنا لم تبلغها تجاوزات المتقدّمين. ثمّ استفاض في بيان قاعدة أنّ معيار حُسن الأمور هو موافقتها لإرادة ورضا الله تعالى، فقد يكون الفعل نفسه حسن في مقام وقبيح في مقام آخر. ثمّ أفصح عن وجه الإعجاز في قوله × «إن استطعت أن لا يعرفنَ غيرك فافعل». وبيّن بعض الدقائق في قوله تعالى حكاية عن الشيطان قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعينَ. ثمّ عرّج (قدس الله سرّه) للإجابة على بعض الأسئلة الّتي ترجمنا منها ما يلي؛ معنى الرجعة – معنى حوض الكوثر – دور الحبّ والعشق في السلوك العقلانيّ.
الأحكام والمباني الإلهيّة عامّة لكلّ زمان
14مَنْ [يتحجّج] مِن هؤلاء ويقول: ما الّذي علَيّ فعله فأنا كنتُ مشغولًا بعملي، أو بدروسي، وأصِل إلى البيت في وقت متأخّر ليلًا. [نقول له:] كان عليك أن تبكّر في عودتك بنصف ساعة، فهلّا أعطيتَ زوجتك هذا المقدار مِنَ الأهميّة، أفلا يجب عليك أن تمنحها مقدارًا مِنْ وقتك لتُنجز لها ما تحتاجه مِنْ أعمال، وتقوم بتوفير المستلزمات الضروريّة لها؟! ترى البعض يتكاسل في هذا الموضوع، ولا يعطيه الأهميّة المطلوبة، فما الّذي سيحصل عندها؟ إنَّ الشيطان متربّص، وكان قد أقسم قائلًا:{فبعزّتكَ}۱. فالشيطان لم يقل أنّه [سيحاول] حرْفهم عن جادّة الصواب، بل أقسم بعزّة الله على أنّه سيحرفهم.
بيان لبعض الدقائق في حكايته تعالى عن الشيطان قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعينَ
وها أنا أخبركم هنا بأنَّه ما مِنْ أحد منَّا – ابتداءً من نفسي وكذلك أنتم وباقي الناس – يستطيع أن يفيَ بقسمه مثل جناب الشيطان. فهو ملتزم بقسمه أكثر منّا جميعًا؛ نعم، لقد التزم بما أقسم به عندما قال {قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعينَ}٢، فقد أقسم الشيطان بهذا قائلًا: لأغوينَّهم واحدًا واحدًا صغيرهم وكبيرهم، بل سأسعى لإغواء حتّى الأنبياء؛ فقد حاول إغواء نبيّ الله يوسف أيضًا، غير أنَّه لم يُفلح في ذلك بسبب أنّه {لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ}٣. فقد قال [الشيطان]: {لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعينَ}، أي لأُفتشنَّ في زوايا قلوبهم، فلكلّ واحد منهم نقاط ضعف خاصّة به، وأنا أستطيع أن أعلم ما هي نقاط ضعفهم. انظروا كم هو كلام عجيب! إنَّ هذا الكلام يعني أنَّ للشيطان تلك القدرة الّتي تمكّنه مِنَ التسلّل إلى جميع زوايا وجودنا، فمَنْ الّذي أعطاه تلك القدرة؟ إنَّ الشيطان يستطيع أن يكوّن ملفًّا عن نفوسنا بالشكل الّذي لا يستطيع أن يقوم به ألف جهازِ تصويرٍ بالرنينِ المغناطيسيّ؛ إذ يُقال أنَّ أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسيّ مِنَ الدقّة بحيث تستطيع تصوير حتّى الخلايا السرطانيّة الّتي في طور النموّ. ومع هذا فالشيطان أكثر دقّة مِنْ تلك الأجهزة، كما أنَّه أدقّ مِنْ أجهزة التصوير بالأشعة السينيّة. نعم، إنّه بهذا القَدْر مِنَ القُدرة!!
قد يقف أحدهم للصلاة، أو قد يُقيم مجلس عزاءٍ لسيد الشهداء، أو يُلقي خطبة، أو قد يُقدِم على عمل يجلب رضا الله؛ فينظر الشيطان إلى مكامِن الضعف في هذه الأعمال [فيستغلّها]؛ وعندما يتمعّن الإنسان في أعمال ذلك الرجل، سيجد أنَّ إحداها كانت استجابة لرغباته النفسيّة، والأخرى كانت لكسب رضا فلان مِنَ الناس .. وهكذا. فالشيطان يعرف الطُرق الّتي ينفذ منها إلى نفس الإنسان، لذا على الإنسان أن يلتجئ إلى الله ويستمدّ العون منه، وأن يَقْبَل ما يُقال له [مِن قول حسنٍ]. هذا هو الأمر المهمّ في الموضوع .. فلا يصحّ أن يضع كلّ إصبعه في أذنه حتى لا يسمع ما يُقال له، بل عليه الاستماع لكي يعينه الله ويهديه لِمَا فيه الخير.
- قال الله تعالى في سورة ص الآية ۸٢ حكاية عن الشيطان قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغوِينَّهُم أَجمَعِينَ.
- سورة ص (٣۸)، الآية ۸٢.
- سورة يوسف (۱٢)، جزء من الآية ٢٤.
