
الأحكام والمباني الإلهيّة عامّة لكلّ زمان
بيّن سماحة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ أنّ الأحكام والمباني الإلهيّة لا تختصّ بزمان فليست آنيّة ولا سياسيّة، وهي تراعي الاختلاف التكوينيّ للجنسين على مرّ العصور، ومَبنيّة على غايات وموازين وحسابات في غاية الإتقان. كما أوضح أنّ التفوّق المُدّعى في بعض المجالات للعصر الحديث على العصور القديمة باطل، فتجاوزات عصرنا لم تبلغها تجاوزات المتقدّمين. ثمّ استفاض في بيان قاعدة أنّ معيار حُسن الأمور هو موافقتها لإرادة ورضا الله تعالى، فقد يكون الفعل نفسه حسن في مقام وقبيح في مقام آخر. ثمّ أفصح عن وجه الإعجاز في قوله × «إن استطعت أن لا يعرفنَ غيرك فافعل». وبيّن بعض الدقائق في قوله تعالى حكاية عن الشيطان قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعينَ. ثمّ عرّج (قدس الله سرّه) للإجابة على بعض الأسئلة الّتي ترجمنا منها ما يلي؛ معنى الرجعة – معنى حوض الكوثر – دور الحبّ والعشق في السلوك العقلانيّ.
الأحكام والمباني الإلهيّة عامّة لكلّ زمان
12فتلك المرأة الّتي كانت تطوف عارية حول البيت [الحرام] في الجاهليّة، إنَّما كانت تفعل ذلك [بناء على العقيدة الّتي أشرنا إليها]. ولا أقول هذا مِنْ نفسي، فلست بصدد تأويل وتبرير مقاصدهم؛ فقد جاء في الآية القرآنية {وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً}۱.
فقد كانوا يطوفون حول الكعبة عُراةً، وكان ذلك اعتقادًا منهم أنّهم يتخلّون عن جميع التعيّنات والتعلّقات، بحيث لا يبقى بينهم وبين الله أيّ حجاب. فطريقة تفكيرهم كانت صحيحة، غير أنَّ الخطأ كان في تطبيق الفكرة وفي المصداق العمليّ.
عندما يأمر الله بشيء إنَّما يأمر به لغرض ما. وقد أمر الله المرأة أن تكشف عن وجهها [في الحجّ]، ولكنَّه لم يأمرها بالكشف عن ساقها، فكلّ ما يأمر به الله خاضع لحساب وميزان. فقد أمر الله بالكشف عن الوجه لا غير، ولا بدّ أن يُنفّذ التكليف الإلهيّ بحذافيره. فانظروا الآن إلى هذا الجيل الّذي جاء بعد ألف وأربعمائة عام، إلى أيّة درجة مِنَ الانحطاط الثقافيّ قد وصل، وإلى أيّة درجة مِنْ انعدام الغيرة على الشرف قد بلغ!!
كان يؤخذ على ملوك إيران القدامى، في عهد (خسرو شيرين) و (الساسانيِّين) وغيرهم، أنَّهم يجمعون الفتيات الجميلات مِنْ جميع أنحاء البلاد ويضمّوهنَّ إلى قصر الحريم الخاصّ بالملك. هذا ما كنَّا نقرؤه في التواريخ. وهو – طبعًا – مِنَ الأعمال الشنيعة الّتي كانت تصدر عن حكّام الجور تجاه رعاياهم. ولكن انظروا ما الّذي يحصل هذه الأيّام، فالنساء في هذا العصر يتركْنَ بيوتهنَّ ويرتكبْنَ الخيانة، وكلّ ما تفكّر به المرأة هو في طُرق تجاوز حدود العفّة، فتتبرّج وتفعل تلك الأمور .. فها نحن نشاهد اليوم كلّ أنواع الفساد.
«إن استطعت أن لا يعرفنَ غيرك فافعل»
أنا مشغول هذه الأيّام بشرح وصيّة أمير المؤمنين٢، والّتي سأنتهي منها – إن وفقني الله – قريبًا. وقد ذكرتُ في مقدمة الكتاب – وسأكرّر ذكر ذلك في الكتاب نفسه ضمن شرح الوصيّة – ما يَستشكل به البعض على قول أمير المؤمنين «وإن استطعت أن لا يعرفن غيرك فافعل». إذ يقولون: ما الّذي يعنيه هذا الكلام في العصر الحاضر، فهل علينا أن نضعهنَّ في كيسٍ في غرفة ثمّ نُقفل باب البيت عليهنَّ، حتّى نتمكّن مِنَ الخروج مِنَ البيت .. فما الّذي يعنيه هذا الكلام، وأيّ كلام هذا؟! لقد ذكرتُ هناك أنَّ كلام [أمير المؤمنين] يتلاءم تمامًا مع ظروف هذا الزمان بالذات، وإنَّها معجزةُ أمير المؤمنين الّتي تتجلّى لنا هذه الأيّام. فاليوم تتضّح لنا هذه الحقيقة وهي: أنَّ مجرّد ترك الصلاة وعدم الالتزام بالتعاليم الدينيّة ليس العامل الوحيد للانحراف والخروج عن حدود العفّة وانتهاك الحُرم، إذ الوسوسة للانجرار نحو الانحراف تطال حتّى المصلّين، بل حتّى مُقيمي صلاة الليل، وهذا ما يحصل بالفعل. فتلك الأمور ليست بمفردها باعثة على الانحراف، لأنَّ الشيطان شيطانٌ، وله يد طولى علينا، فمهما كنَّا أقوياء، فللشيطان يد طولى علينا. الله يعلم ماذا خلق، وأيّ خصائص واستعدادات منحها للإنسان. ومِنْ أجل المحافظة عليه وصيانته وإرشاده وبلوغه المعالي، جعل الله له قانونًا. فعليكم يا أعزائي أن تلتزموا بهذا القانون، وها هو أمير المؤمنين يضع هذا القانون بين أيديكم.
- سورة الأنفال (۸)، جزء من الآية ٣٥.
- هي وصيّة أمير المؤمنين عليه السلام لابنه الإمام الحسن المجتبى عليه السلام كتبها إليه بحاضِرَين عند انصرافه مِن صفين، تبدأ بقوله (مِنَ الوالِدِ الفَانِ). والجدير بالذكر أنّ سماحة السيّد أنجز الشرح المذكور وهو متوفّر باللغة الفارسيّة تحت عنوان «حيات جاويد» أي (الحياة الأبديّة) وهو قيد الترجمة. (م)
