
نظرة العرفاء للشيطان
في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لختم البحث عن فقرة «فَإذَا أَكْرَمَ اللَهُ الْعَبْدَ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ هَانَ عَلَيهِ الدُّنْيا، وَإبْلِيسُ، وَالْخَلْقُ»، تحدّث بدايةً عن مسألة وجوب الوفاء بالعهد ولو كان ابتدائيًّا، ليُعرّج على مسألة أهمّية انكشاف نقاط الضعف للإنسان، ودور الشيطان في هذه المسألة، ومراد العرفاء من قولهم إنّ الشيطان رحيم، ثمّ انتقل للحديث عن الأمور التي تُهوّن من أمر الشيطان، وعن الطريق المختصر الذي يوصل الإنسان إلى الكمال، ليختم كلامه ببعض اللطائف التوحيديّة من قصّة يوسف عليه السلام.
نظرة العرفاء للشيطان
5ومن هنا، فإنّ الالتزام الخارج عن دائرة المعاملات واجب أيضًا، وعدم الوفاء به حرام؛ أجل، يبقى أنّ ذلك مشروط بقدرة الإنسان على القيام به، وأمّا إذا عجز عن ذلك، فإنّ المسألة ستّتخذ طابعًا آخر.
فإن قيل: على الإنسان أن يوكل أموره إلى الله تعالى، فإنّ ذلك لا يعني اللاأباليّة والتهاون وعدم الاهتمام؛ وقد يكون بوسعنا خداع الجميع، لكنّنا لا نستطيع خداع الله تعالى؛ وإلاّ، فإنّه تعالى سيضع الإنسان في مأزق، ثمّ يقول له: «هل ستلجأ إلى اللاأباليّة دائمًا، أم أنّك لا تلجأ إليها إلاّ حينما يتعلّق الأمر بي؟! ففي المسائل الأخرى، تعمل بشكل دقيق وحصيف ومنضبط، لكن، عندما يصل الأمر إليّ، تريد أن تُمرّر ذلك بأيّة طريقة وأسلوب! في حين أنّك تقول هناك: «لا يا سيّدي، لا يُمكن هنا أن يتمّ الأمر بهذا النحو، بل علينا أن نتوقّف هنا».
وعلى أيّ تقدير، على الإنسان أوّلاً أن يُفوّض تدبير شؤونه لله تعالى؛ وثانيًا، عليه ألاّ يرى أيّ شيء منه هو، وقد تحدّثنا سابقًا عن هذه الموضوعات؛ وثالثًا، عليه أن يعمل بما أمر الله تعالى، ويجتنب ما نهى عنه سبحانه؛ فإذا تحقّقت للإنسان هذه الأمور، «هَانَ عَلَيْهِ الدُّنْيَا وَإبْلِيسُ وَالْخَلْقُ»؛ أي ستهون بالنسبة إليه الدنيا، وإبليس، والناس؛ وبعبارة أخرى: الأيّام والأحداث.
بلوغ الإنسان إلى الكمال رهين بانكشاف نقاط ضعفه وسعيه لترميمها
ففي الجلسة السابقة، تحدّثنا بنحو مفصّل ـ إلى حدّ ما ـ عن مسألة إبليس وكيفيّة خلقه، حيث قلنا هناك: إنّ خلقه عين المصلحة، بحيث لولا هذا الخلق، لما تمكّن الإنسان من بلوغ كماله؛ فالحديد الذي يُراد منه التغيّر إلى معدن قابل للاستخدام، أو إلى سيف ثمين، يحتاج إلى وضعه في الفرن، وفي مكان خاصّ، لكي يُصهر ويسخن، ثمّ يُبرّدونه، ويُسخّنونه مرّة أخرى، ويُضيفون إليه بعض الموادّ، حتّى يكون بوسعهم جعله بشكل قابل للاستخدام؛ وإلاّ، إن أرادوا استعمال الحديد على حالته الأوّلية، فإنّه سيعوجّ عند أوّل ضربة توجّه إليه، وسينكسر حين إصابته لأوّل مكان؛ ولهذا، يتوجّب عليهم إخضاعه لتلك العمليّات؛ كما أنّ الذهب الذي يُراد استخدامه في الزينة وصناعة الحليّ يجب أن يُصهر، ويُذاب، ويُنقّى من الموادّ الزائدة التي تظهر على سطحه، ليُقدّم بعد ذلك بشكل خالص وذي عيار عالٍ؛ وإلاّ، فلن يتمّ ذلك أبدًا من دون هذه الأمور.
