
نظرة العرفاء للشيطان
في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لختم البحث عن فقرة «فَإذَا أَكْرَمَ اللَهُ الْعَبْدَ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ هَانَ عَلَيهِ الدُّنْيا، وَإبْلِيسُ، وَالْخَلْقُ»، تحدّث بدايةً عن مسألة وجوب الوفاء بالعهد ولو كان ابتدائيًّا، ليُعرّج على مسألة أهمّية انكشاف نقاط الضعف للإنسان، ودور الشيطان في هذه المسألة، ومراد العرفاء من قولهم إنّ الشيطان رحيم، ثمّ انتقل للحديث عن الأمور التي تُهوّن من أمر الشيطان، وعن الطريق المختصر الذي يوصل الإنسان إلى الكمال، ليختم كلامه ببعض اللطائف التوحيديّة من قصّة يوسف عليه السلام.
نظرة العرفاء للشيطان
23ففي طريق التوحيد وأهله، لا يوجد إلاّ مبدأ واحد؛ وهو عبارة عن الحقّ تعالى؛ ولهذا، فإنّ العظماء كانوا يوصون السالك دائمًا بعدم إدخال الشيطان في عمله، وبألاّ يجعل الخوف منه هو الباعث للامتثال للأمر أو النهي؛ لأنّ هذا العمل يختصّ بالعوامّ؛ فعلى السالك أن يقصر نظره على الله تعالى؛ فإن أمر هو بشيء، أقوم به، وإن نهى هو عن شيء، أحترز عنه؛ وإن قال هو: اسلك هذا الطريق، أسلكه، من دون أن أُحضر في بالي أنّ هناك موجودًا اسمه الشيطان؛ هذا، مع أنّه يقوم من جهته بالوسوسة، ويُنجز مهمّته؛ لكن، علينا نحن في مقام العمل أن نقصر النظر على التوحيد فقط؛ وذلك لكي نختصر الطريق ونطويه؛ وهنا، تتجلّى للإنسان حقيقة التوحيد، وتبرز أمامه مسألة «لا إله إلاّ الله، ولا إله إلاّ هو»، ويتّضح لديه المبدأ؛ وحينما نقوم بهذا الفعل، فإنّ وساوس الشيطان ستبهت قوّتها، وما إن تأتي هذه الوساوس، وتخطر في الذهن، حتّى تُنحّيها تلك الحركة التوحيديّة، ليستمرّ الإنسان في طريقه، من دون أن يسمح لها بالبقاء في ذهنه، والخطور على باله؛ وما هو السبب في ذلك؟ سببه أنّ الإنسان نحّى الشيطان، ولم يعُد يُفكّر فيه أبدًا؛ ولنفرض مثلاً أنّ أحدهم يكون عدوًّا للإنسان، بحيث تكون قد حصلت له معه بعض القضايا؛ ففي هذه الحالة، هل سيرغب الإنسان في تذكّره، أم أنّه سيسعى لنسيانه؟ وحينما تحصل للإنسان حادثة مريرة في السنوات الماضية، هل نجده يُخطر هذه الحادثة في ذهنه، أم أنّه سيسعى لعدم مواجهة المشاهد التي تُجدّد تلك الخواطر في نفسه؟
فعندما نقوم بتصوير الشيطان في أذهاننا كموجود مرعب جدًّا، فإنّنا سنكون بذلك قد أضعفنا أنفسنا في مقابله، وغضضنا الطرف عن تلك القدرة التي أودعها الله تعالى فينا؛ وهي عبارة عن ذلك الربط والتعلّق بالتوحيد، وكشحنا النظر عن جانب التوجّه إلى الحقّ، والعبور من هذا المطبّ بواسطة ولايته تعالى، وقمنا في المقابل بتضخيم الشيطان في وجودنا، وجعلنا له مكانًا في أنفسنا؛ ولهذا السبب، فإنّ منهج ومدرسة العظماء وأولياء الله تعالى وأهل الحقّ كانا يتمثّلان في عدم الالتفات إلى الشيطان من الأساس، وفي النظر إلى الله تعالى، لا إلى أيّ شيء غيره؛ فهذه هي حقيقة التوحيد، وهذا هو الطريق الذي يوصل الإنسان إلى هذه الحقيقة.
