
نظرة العرفاء للشيطان
في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لختم البحث عن فقرة «فَإذَا أَكْرَمَ اللَهُ الْعَبْدَ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ هَانَ عَلَيهِ الدُّنْيا، وَإبْلِيسُ، وَالْخَلْقُ»، تحدّث بدايةً عن مسألة وجوب الوفاء بالعهد ولو كان ابتدائيًّا، ليُعرّج على مسألة أهمّية انكشاف نقاط الضعف للإنسان، ودور الشيطان في هذه المسألة، ومراد العرفاء من قولهم إنّ الشيطان رحيم، ثمّ انتقل للحديث عن الأمور التي تُهوّن من أمر الشيطان، وعن الطريق المختصر الذي يوصل الإنسان إلى الكمال، ليختم كلامه ببعض اللطائف التوحيديّة من قصّة يوسف عليه السلام.
نظرة العرفاء للشيطان
2أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم محمّد
وعلى آله الطيّبين الطاهرين واللعنة على أعدائهم أجمعين
يقول الإمام الصادق عليه السلام لعنوان البصريّ: «فَإذَا أَکْرَمَ اللَه الْعَبْدَ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ، هَانَ عَلَيْهِ الدُّنْيَا وَإبْلِيسُ وَالْخَلْقُ»؛ أي: إذا منح الله تعالى عبدًا هذه النعم الثلاث، سيسهل عليه أمر الدنيا وإبليس والناس، ولن يُعاني من أيّة مشكلة عند مواجهة هذه الأمور.
وأعتقد أنّ الرفقاء مطّلعون على تلك المسائل الثلاث؛ أولاها إيكال الأمور إلى الله تعالى، وألاّ يلجأ الإنسان إلى التخطيط لنفسه، ولا يضع برنامجًا لحياته بنحو منفصل عن مشيئة الله تعالى؛ لا ألاّ يضع الإنسان أيّ برنامج من الأساس! فقد بيّنا سابقًا أنّ التخطيط والنظم من أهمّ المسائل السلوكيّة، وأبرز مبدأ من المبادئ الإسلاميّة؛ إذ بُنيت الدنيا أساسًا بالارتكاز على النظم، كما شُيّد عالم التكوين أيضًا على أساس النظم والتدبير؛ فعدم النظم يُساوي اللاأباليّة والفوضى والوحشيّة والحيوانيّة وعدم الاعتناء بالمبادئ الإنسانيّة؛ فهذا هو معنى عدم النظم، حيث نرى أنّ مقدار تأكيد الإسلام على هذه المسألة يفوق تأكيده على بقيّة المسائل؛ فالذي لا يعتني بالتزاماته في دائرة العلاقات الاجتماعيّة، ولا يهتمّ بتدبير شؤونه ونظم أموره خارجٌ عن نطاق الإنسانيّة، فضلاً عن أن يصل الحديث إلى السلوك والإسلام وأمثال ذلك، ولا يصح أن يُقال له إنسان.
وجوب الوفاء بالعهد ولو كان ابتدائيًّا
فالذي يقطع عهدًا مع أحد آخر يجب عليه شرعًا الوفاء بهذا العهد، ولو لم يكن في ضمن عقد؛ وأمّا ما ذكره بعض الفقهاء من أنّ الشرط الذي يكون في ضمن العقد لازم، والذي لا يكون في ضمنه، بل يكون ابتدائيًّا غير لازم، فلا يُراد منه عدم وجوب الوفاء به؛ وإذا فُهم منه ذلك، فإنّ هذا الفهم خاطئ ومجانب للصواب؛ لا! فكما أنّ الشرط والالتزام المتضمَّن في العقد يكون لازمًا، ويجب الوفاء به، وتحرُم مخالفته، وتترّتب مسائل حقوقيّة عند التخلّف عن الوفاء به، ويتحمّل المتخلّف مجموعة من التبعات القانونيّة، فإنّ الأمر بهذا النحو في الشرط غير المتضمَّن في العقد، والذي يكون ابتدائيًّا.
