انقطع الاتصال بالخادم. جارٍ إعادة المحاولة...

يتعذّر إنشاء الاتصال.

تم رفض الاتصال من قبل الخادم.

جارٍ التحميل...
00:00:00
صورة
إضافة للمفضلة

نظرة العرفاء للشيطان

0
عنوان البصري
عنوان البصري
الجلسات

في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لختم البحث عن فقرة «فَإذَا أَكْرَمَ اللَهُ الْعَبْدَ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ هَانَ عَلَيهِ الدُّنْيا، وَإبْلِيسُ، وَالْخَلْقُ»، تحدّث بدايةً عن مسألة وجوب الوفاء بالعهد ولو كان ابتدائيًّا، ليُعرّج على مسألة أهمّية انكشاف نقاط الضعف للإنسان، ودور الشيطان في هذه المسألة، ومراد العرفاء من قولهم إنّ الشيطان رحيم، ثمّ انتقل للحديث عن الأمور التي تُهوّن من أمر الشيطان، وعن الطريق المختصر الذي يوصل الإنسان إلى الكمال، ليختم كلامه ببعض اللطائف التوحيديّة من قصّة يوسف عليه السلام.

نظرة العرفاء للشيطان

16
  • ولماذا اخترتموني أنا؟ ولماذا جاءت القرعة باسمي أنا المسكين والمجنون۱؟ لماذا؟ لأنّني كنت في محضر أولئك العظماء لبعض الأيّام، وسمعت منهم ثلّة من المسائل، وقلت مع نفسي: فلآتي، وأطرحها على مسامع الرفقاء، لكي يعمل بها الذين لهم رغبة، واستعداد، وقابليّة، وحميّة، وإباء، وإدراك، وكياسة، وفطنة، وتوجّه، وشعور بالألم؛ فلأبدأ بنفسي أنا أوّلاً: أ فهل أتيت بهذه المكانة والظروف من نفسي؟! ولو أنّني لم أكن أقرب له (للمرحوم العلاّمة الطهرانيّ)، فأيّة قيمة كان وجودي وكلامي هنا سيحظيان بها؟ ولَكُنتم ذهبتم، واخترتم فردًا آخر؛ فلماذا اخترتموني أنا؟ وبماذا أفترق أنا عن البقيّة؟ وهل يوجد أيّ فارق بيني وبينهم سوى أنّني كنت بمحضر هؤلاء أكثر من الرفقاء؟ وبطبيعة الحال، فإنّ لكلّ واحد حسابه الخاصّ، وعلى كلّ واحد الاهتمام بملفّه الخاصّ.

  • [فالأمر الثاني] أن يعلم الإنسان أنّ الأشياء التي منحه الله إيّاها لا تتعلّق به هو، بل تتعلّق به تعالى؛ فإن كان لديه مال، فإنّ الله تعالى هو الذي وهبه إيّاه، وإن كانت له مكانة اجتماعيّة، فإنّه تعالى هو الذي أعطاه إيّاها، وإن كان يتوفّر على كمال ظاهريّ، فإنّه هو الذي منحه إيّاه، وإن كان صاحب حرفة وفنّ، فإنّ الله تعالى هو الذي وهبه إيّاه؛ فعليه أن يرى أنّ كلّ ما يملك جاءه من الله تعالى، ولا يشعر بملكيّته لما منحه الحقّ تعالى إيّاه.

  • الثالث: أن يشتغل بالأوامر والنواهي الإلهيّة، ويعكف على ما كلّفه الله تعالى به؛ وحينما يصير الأمر بهذا النحو، «هانَ عليه إبليسُ»؛ فلن يعود إبليس يمتلك بالنسبة إليه ذلك الوجه المخيف والمـُرعب والرهيب، بل سيصير أمره هيّنًا، وسيتحرّك إلى جانبه؛ لماذا؟ لأنّه أودع شؤونه في مكان لا يستطيع الشيطان التصرّف فيه.

  • لقد ذكرنا في الجلسات السابقة أنّ الله تعالى يقول عن الشيطان: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى‌ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ* إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ}٢؛ فالشيطان ليست له أيّة سلطة على الله، وكذلك على الذين أوكلوا أمورهم إليه تعالى، فلا قدرة له على سحبهم نحوه؛ لكنّ المسألة التي تظلّ هنا هي أنّ سلطة الشيطان وجنوده تُرخي بظلالها على الذي انفصلوا عن الله تعالى، حيث يقدر على التسلّط عليهم؛ أي: حينما يُوسوس إليهم، فإنّ هذه الوسوسة تصل إلى درجة أنّها تصير محفورة في نفوسهم بصفتها حقيقة من الحقائق؛ فهذا الذي يُقال عنه سلطان؛ ويبقى أنّ هذا السلطان لا يكون بحيث إنّ الشيطان يُمسك بيد الإنسان، حيث بيّنا سابقًا عدم وجود أيّ فارق هنا بين إبليس وبين الملائكة؛ لكن، من حيث الوسوسة، فإنّه يبدأ يوسوس، ويوسوس، إلى أن تُحفر هذه الوسوسة في نفس الإنسان، وتبقى باعتبارها أمرًا لا يُمكن التراجع عنه؛ وهذا هو معنى: {عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ}؛ أي أنّ سلطانه يُخيّم على الذين يختارون ولايته، ويتخلّون عن ولاية الله تعالى، {وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ}؛ فهؤلاء هم الذين يأتي عندهم الشيطان.

    1. إشارة إلى مقطع من بيت شعريّ للخواجة حافظ الشيرازي رضوان الله تعالى عليه يقول فيه: 
      آسمان بارِ امانت نتوانست کشید *** قرعهٔ کار به نامِ منِ دیوانه زدند.
      وتعريبه: لم تقدر السماء على تحمّل عب‌ء الأمانة، فجاءت القرعة باسمي أنا المجنون.
    2. سورة النحل، الآيتان ٩٩ و۱۰۰.