
نظرة العرفاء للشيطان
في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لختم البحث عن فقرة «فَإذَا أَكْرَمَ اللَهُ الْعَبْدَ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ هَانَ عَلَيهِ الدُّنْيا، وَإبْلِيسُ، وَالْخَلْقُ»، تحدّث بدايةً عن مسألة وجوب الوفاء بالعهد ولو كان ابتدائيًّا، ليُعرّج على مسألة أهمّية انكشاف نقاط الضعف للإنسان، ودور الشيطان في هذه المسألة، ومراد العرفاء من قولهم إنّ الشيطان رحيم، ثمّ انتقل للحديث عن الأمور التي تُهوّن من أمر الشيطان، وعن الطريق المختصر الذي يوصل الإنسان إلى الكمال، ليختم كلامه ببعض اللطائف التوحيديّة من قصّة يوسف عليه السلام.
نظرة العرفاء للشيطان
11ثالثًا، أشكر الله تعالى على أنّه لم يخلقني بايزيدًا، فلم ينتابني هذا الشعور الذي انتباك أنت؛ أي أنّه أفحمه، وأسكته بكلّ براعة وسهولة، ومن دون أن يجد أيّ مفرّ أو مهرب؛ حسنًا، فمع من كان الحقّ؟ كان الحقّ مع سماحة الكلب؛ لأنّه ينطق بالصواب؛ ففي عالم التوحيد، وفي النظام الأحسن، يكون الحقّ هنا مع الكلب؛ ومهما كان بايزيد، فإنّ الحقّ مع ذلك الكلب؛ فهذه هي المسألة الدقيقة التي يُدركها العارف.
وأعتقد أنّ الرفقاء يذكرون أنّني كنت أقول سابقًا: إنّ الحالات التي تحصل للعارف لا تكون من باب التواضع، بل إنّ نفسه ومعنويّاته تتغيّر، فتظهر على هيئة وحالة توحيديّة؛ فحينما كان المرحوم العلاّمة يُقبّل يد طفل يبلغ الرابعة أو الخامسة من العمر، فإنّ ذلك لم يكن من باب التواضع، لأنّنا نحن الذين تلجأ لمثل هذا التواضع المتصنَّع؛ هذا، مع أنّه عمل جيّد، لا أنّه سيّء، بل هو جيّد جدًّا؛ لكن، يبقى أنّ مسألة التواضع تتّخذ طابعًا آخر في عالم التوحيد؛ فالعارف هو الذي لا تعود الحالة التي يُبرزها هي حالة التواضع، بل إنّ الحالة التي يعيشها تكون بذلك النحو؛ أي أنّ ذلك هو مقتضى فهمه وشعوره؛ ولهذا، فإنّ أحواله تظهر بنحو مغاير؛ وهذا هو الشخص الذي ينبغي علينا اتّباعه، لا ذاك الذي يمشي بحالة من التواضع؛ والذي لا يكون في مأمن من الأخطار؛ لأنّه يفتقر في بعض الأحيان إلى ذلك التواضع، ويُبرز نفسه في بعض الأوقات.
حكى لي أحد الأشخاص الذين لهم نضج وخبرة بالمسائل النفسيّة أنّه التقى بأحدهم، فقال لي: طيلة الساعة التي التقيت به فيها ـ وكان شخصًا معروفًا ـ، كان يبذل كلّ سعيه، لكي يظهر أمامي بمظهر الإنسان المتواضع بتمام المعنى، أي أنّه كان يشقّ على نفسه كثيرًا لأجل ذلك؛ فأحيانًا، قد يبرز الإنسان نوعًا من التواضع، وأحيانًا أخرى، لا، بحيث يضغط على نفسه إلى حدّ كبير، ويسعى لاختيار بعض العبارات الخاصّة، وتكون طريقة جلوسه بشكل معيّن، إلى أن تخرج المسألة عن الحدّ العاديّ والمتعارف؛ فقال لي: «لقد بذل كلّ جهده لأجل تحقيق هذا الأمر»؛ وتجدر الإشارة إلى أنّ هذا لم يكن شخصًا عاديًّا، بل كان يُدرك الأمور بسرعة؛ لأنّه كان طبيبًا نفسيًّا، فقال لي: «فجأة، احتلت عليه بطريقة معيّنة ـ وفقًا لتلك المهارة التي يمتلكها في مجاله الخاصّ ـ، فأخرجته من حالة التواضع تلك؛ فإذا بذلك السيّد الذي بذل كلّ تلك المجهودات يصير مثل طفل يبلغ الخامسة من العمر ـ حيث لم يكن قد درس مثل هذه الأمور ـ، فخرجت من فمه عبارةٌ تسبّبت في ضحكي عليه لمدّة خمس دقائق».
