
نظرة العرفاء للشيطان
في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لختم البحث عن فقرة «فَإذَا أَكْرَمَ اللَهُ الْعَبْدَ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ هَانَ عَلَيهِ الدُّنْيا، وَإبْلِيسُ، وَالْخَلْقُ»، تحدّث بدايةً عن مسألة وجوب الوفاء بالعهد ولو كان ابتدائيًّا، ليُعرّج على مسألة أهمّية انكشاف نقاط الضعف للإنسان، ودور الشيطان في هذه المسألة، ومراد العرفاء من قولهم إنّ الشيطان رحيم، ثمّ انتقل للحديث عن الأمور التي تُهوّن من أمر الشيطان، وعن الطريق المختصر الذي يوصل الإنسان إلى الكمال، ليختم كلامه ببعض اللطائف التوحيديّة من قصّة يوسف عليه السلام.
نظرة العرفاء للشيطان
6فلكي يصل كلّ شيء في عالم الطبيعة والتكوين إلى هدفه المنشود، عليه أن يقطع مجموعة من المراحل؛ ولا يُستثنى وجود الإنسان تربويًّا من هذه المسألة وهذا الأصل؛ إذ ما دام لم يوضع هذا الإنسان في بوتقة الاختبار، فلن تنكشف له تلك الخصائص التي تحجزه عن التغيّر والتبدّل؛ وما دام الإنسان لم يحضر عند أستاذ حاذق في حرفة من الحرف، فلن تتّضح له نقاط ضعفه؛ ولهذا، فإنّ الذي يذهب عند أستاذ الخطّ [مثلاً]، يجد أنّ عمل هذا الأستاذ لا يقتصر على التعليم والكتابة فقط، بل يتعدّاه إلى توضيح النقائص التي تسبّبت في ظهور الخطّ بهذا النحو، وكذلك بيان الأمور المطلوبّة ونقاط القوّة للتلميذ.
ويُعدّ السيّد حسين ميرخاني رحمة الله تعالى عليه من أساتذة الخطّ المتقدّمين، حيث كنت أحضر عنده في فترة معيّنة، وذلك في دار الكتابة الواقعة أسفل مسجد المرحوم العلاّمة في خيابان سعدي، فكنت أذهب عنده مرّتين أو ثلاث مرّات في الأسبوع، فأتعلّم الكتابة بالخطّ؛ وكان يُبرز عطفه ومحبّته تجاهي كثيرًا، ويُشجّعني على الاستمرار في تعلّم هذا الفنّ، وكنت أنا أيضًا معجبًا بذلك، كما كان آخرون يأتون عنده أيضًا، وهم الذين صاروا أساتذة في الخطّ الآن، فكانوا يأتون عنده، ويتحدّثون معه؛ والعجيب هنا أنّه كان يُبيّن لهم نقاط ضعفهم، مع أنّهم كانوا أساتذة في الخطّ، وهم الآن من أساتذة الدرجة الأولى؛ فكانوا يأتون عنده، ويعرضون عليه ما خطّطوه بعد مرور عشرين سنة أو خمسة وعشرين سنة [من تعلّمهم]؛ فكانوا يقول لأحدهم: «لقد أرجعت رأس «ض» أو «ي»، فهل تعلم لماذا صار الأمر بهذا النحو؟ لأنّك أمسكت القلم بهذه الطريقة، ولهذا ظهرت الياء بهذا الشكل؛ فعليك أن تُميل رأس القلم بهذا النحو»، وكان يقول: «إذا مال القلم ولو بمقدار عُشر مليمتر، فإنّ النقصان سيطرأ على كتابة الكلمة»؛ انظروا، فهو يُوجّه كلامه لتلميذه الذي درس وتعلّم الخطّ عنده مدّة خمسة وعشرين سنة!
والأمر الذي أثار اهتمامي كثيرًا أنّه: ذات يوم، أتاه أحد أفضل تلامذته، ولعلّه اليوم الخطّاط الأوّل في إيران، وهو إنسان مشهور جدًّا، حيث كان المرحوم ميرخاني قد كتب بخطّه في دار الكتابة عبارة: «در كار خير حاجت هیچ استخاره نيست»۱، فكتب هذا التلميذ العبارة ذاتها بنفس القُطر وبنفس الطريقة، وكانت هذه اللوحة موضوعة إلى جانب تلك، ولذلك لكي يُبيّن لنا أنّنا نحتاج في كلّ أمر إلى العمل وبذل الجهد. لقد كان المرحوم ميرخاني يتحدّث إلينا، وينصحنا، فكانت الجلسة التي ينبغي لها أن تدوم نصف ساعة مثلاً تستمرّ أحيانًا ثلاث ساعات، أو ثلاث ساعات ونصف؛ وكلّ مرّة كنت أرجع إلى المنزل، كنت أواجه اعتراض المرحوم العلاّمة وخصامه، حيث كان يقول: «كان من المفروض أن تبقى ساعة واحدة، لكنّك ذهبت ولم ترجع!»، فكنت أقول: «ليس ذلك من تقصيري أنا؛ لأنّ الأستاذ هو الذي كان يأخذ وقتنا بالكلام، وكان آخرون يأتون، فلا يسمح لنا بالذهاب مهما قلنا له: يا سيّدي، علّمنا خطًّا واحدًا، ودعنا نرحل، فكان يقول: لا! اجلس مكانك الآن، وستجني فائدة من ذلك»؛ ثمّ يُعيد الكرّة مرّة أخرى، حيث كانت تدوم الجلسة أحيانًا أربع ساعات، فكنت أذهب عنده في الساعة الثامنة، وأرجع إلى المنزل في الساعة الثانية عشرة؛ وكنا أتعلّم منه رحمة الله تعالى عليه العديد من المسائل، وكان ذلك مفيدًا كثيرًا بالنسبة إليّ؛ إذ بغض النظر عن تلك المسائل الخاصّة والفنّية، فإنّه كان يمدّنا بمجموعة من المسائل الدقيقة؛ فمثل هؤلاء يتوفّرون على العديد من التجارب في الحياة، وقد قضوا فترة عمر طويلة، وعلى الإنسان أن يسعى للاستفادة من تجارب الجميع.
- المصراع الثاني لبيت شعري في ديوان مولانا حافظ الشيرازي، ومعناه: لا يوجد أيّ داع للاستخارة في عمل الخير. المعرّب
