
نظرة العرفاء للشيطان
في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لختم البحث عن فقرة «فَإذَا أَكْرَمَ اللَهُ الْعَبْدَ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ هَانَ عَلَيهِ الدُّنْيا، وَإبْلِيسُ، وَالْخَلْقُ»، تحدّث بدايةً عن مسألة وجوب الوفاء بالعهد ولو كان ابتدائيًّا، ليُعرّج على مسألة أهمّية انكشاف نقاط الضعف للإنسان، ودور الشيطان في هذه المسألة، ومراد العرفاء من قولهم إنّ الشيطان رحيم، ثمّ انتقل للحديث عن الأمور التي تُهوّن من أمر الشيطان، وعن الطريق المختصر الذي يوصل الإنسان إلى الكمال، ليختم كلامه ببعض اللطائف التوحيديّة من قصّة يوسف عليه السلام.
نظرة العرفاء للشيطان
الوصف:
في هذه المحاضرة الشريفة التي عقدها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لختم البحث عن فقرة «فَإذَا أَكْرَمَ اللَهُ الْعَبْدَ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ هَانَ عَلَيهِ الدُّنْيا، وَإبْلِيسُ، وَالْخَلْقُ»، تحدّث بدايةً عن مسألة وجوب الوفاء بالعهد ولو كان ابتدائيًّا، ليُعرّج على مسألة أهمّية انكشاف نقاط الضعف للإنسان، ودور الشيطان في هذه المسألة، ومراد العرفاء من قولهم إنّ الشيطان رحيم، ثمّ انتقل للحديث عن الأمور التي تُهوّن من أمر الشيطان، وعن الطريق المختصر الذي يوصل الإنسان إلى الكمال، ليختم كلامه ببعض اللطائف التوحيديّة من قصّة يوسف عليه السلام.
نظرة العرفاء للشيطان
10يُحكى أنّ بايزيد [البسطاميّ] كان مارًّا برفقة تلامذته من مكان ما؛ ويبدو أنّ المراد منه بايزيد الثاني؛ إذ لا يُتصوّر أن تحدث هذه المسألة لبايزيد الأوّل؛ لأنّه لم يكن في هذه المرتبة؛ فنحن لدينا بايزيدان: بايزيد الكبير، وبا يزيد الصغير؛ فمرّ بايزيد مع تلامذته بكلب، حيث كانت الأمطار قد سقطت، وابتلّ ذلك الكلب؛ فجمع بايزيد ثيابه بنوع خاصّ من الالتفات وبحالة من الاشمئزاز، لكي لا يمسّه، فتحدّث معه ذلك الكلب في مقام المكاشفة، وقال له: «صحيح أنّني نجس، فلا يوجد أيّ إشكال في أن تبتعد عنّي عند المرور بجانبي، لكن، لماذا أبديت تجاهي ذلك الاشمئزاز؟ ولماذا مررت إلى جانبي بذلك النوع من الالتفات؟»؛ وانتبهوا، فإنّ هذه الأمور حقيقيّة وواقعيّة بأجمعها! حسنًا، إذا كنت نجسًا، تنحّ عنّي، لكن، لماذا تمّر بجانبي بحالة من الاشمئزاز والتقزّز؟ تعال وأخبرني: من الذي جعلني كلبًا، وجعلك بايزيدًا؟ وهل إنّ كوني كلبًا حصل باختياري أنا، وكونك بايزيدًا وإنسانًا وقع باختيارك أنت؟! فأنت لم تكن لك أيّة إرادة في خلقك؛ انظروا كيف يُدينه! أي أنّ هذه الحيوان يمتلك في مقام المثال والملكوت عقلاً وشعورًا، ولو أنّه في مقام الظاهر بهذا الشكل الذي لا يُثير انتباه الإنسان، لكنّه يتوفّر على شعور في مقام الملكوت، حيث توجد في هذا المجال أسرار عجيبة يكشفها الله تعالى للذين يُضاء لهم الطريق.
جهان چون چشم وخط وخال وابروست *** كه هر چيزى به جاى خويش نيكوست۱ (يقول: إنّ العالم يُشبه العين والخطّ والخال والحاجب، فكلّ شيء في محلّه جميل)
فإذا تمكّن الإنسان من إدراك هذه المسألة، ستتّضح له الحكمة من خلق كافّة الأشياء في العالم؛ وحينئذ، ستختلف نظرته، وتتغيّر رؤيته لهذه الأشياء.
قال له: أوّلاً، من الذي جعلني كلبًا، وجعلك بايزيدًا؟ أ فهل إنّ كوني كلبًا باختياري أنا؟
ثانيًا، أنا نجس، وأعترف بأنّني كذلك؛ غير أنّ هذه النجاسة ظاهريّة يُمكنك تطهيرها بغرفة من الماء؛ إذ حينما يُلاقي لباس الإنسان أمرًا نجسًا، يكفيه صبّ غرفتين من الماء عليه، وينتهي الأمر، من دون أن يحتاج لإلقاء نفسه في ماء الكرّ، بل يكفيه صبّ قليل من الماء؛ فاذهب يا بايزيد، وطهّر قلبك؛ لأنّ قلبك لن يتطهّر ولو صببت عليه سبعة أبحر من الماء! فهذا الشعور الذي تمتلكه هو شعور نفسانيّ، حيث جئتَ، واعتبرت نفسك أعلى منّي؛ وهنا تكمن المسألة الدقيقة! فالله يقول: «عليك أن تجتنب الكلب»، وهذا أمر محفوظ في محلّه، وعلينا أن نسمع له ونطيع؛ وهو تعالى يقول: «هذا نجس، وعليك أن تجتنبه»؛ وكلّ ذلك محفوظ في مكانه؛ لكن، لماذا تعتبر نفسك أعلى وأشرف منّي، وتجعل نفسك في وضعيّة معيّنة، وتمرّ بجانبي باشمئزاز؟ وما هو السبب في ذلك؟
- گلشن راز (حدیقة الأسرار)، الشيخ محمود الشبستري: « جهان چون زلف وخط وخال وابروست ....»
