
كيف نصحّح أفكارنا لنحقّق التقوى؟
ما هي الخطوات العمليّة الثلاث لتصحيح الفكر والخيال؟ ما الربط بين التقوى والعقل؟ كيف تجلّى كمال عقل أبي الفضل العبّاس في تركه لشرب الماء؟ ما هي موارد حسن الظنّ وموارد التدقيق في أفعال الآخرين؟ ما الربط بين إنكار بعض العلماء لبعض الحقائق الواضحة وبين انعدام التقوى؟ تجيب هذه المحاضرة على هذه المحاور الأساسيّة ضمن اختتامها شرح فقرة هذا أوّل درجة التقى من شرح حديث عنوان البصريّ.
كيف نصحّح أفكارنا لنحقّق التقوى؟
18هذه الأمور الثلاثة لا بدّ من مراعاتها. وطبعًا هناك أمور أخرى، وهذه الثلاثة هي الأساس، فهذا من وجهة نظر عقلانيّة للوصول إلى مرتبة الكمال العقليّ، وأمّا من وجهة نظر شهوديّة، فهذه مسألة أخرى. فمن وجهة نظر شهوديّة عندما يبدأ الإنسان بالسير في هذا الطريق ويتكامل فإنّ حركة السالك من عالم النفس إلى عالم التجرّد عبارة عن حركته من الجزئيّة إلى الكليّة، أي من الأمور الجزئيّة ومن الصور الجزئيّة إلى الوصول إلى الواقع والوصول إلى تلك الأمور الكليّة. فمن باب المثال لو أعطوك صورة فأنت تنظر إليها وفي منظر معيّن، فتارة يمكن أن تنظر فقط إليها كمنظر كما ينظر الأطفال، ويمكن لآخر أن ينظر نظرة أعمق فيرى الأحداث التي هي خلف هذا المشهد والتي يمكن أن تستنتج من خلاله ومن خلال خصوصيّاته، إنّ حركة السالك هي أن ينتقل من النظر إلى الجزئيّات والتأثّر بالوقائع الخارجيّة إلى الواقع والحقيقة التي تكمن بين الأشياء، بين السُحب، وأعلى من السحب. فلا تأثير عليه من قبل الأمور التي تحدث، إنّه ينظر إلى الأعلى، يقول كلّ هذا فارغ. هو يضحك ممّا ينقل له لأنّه يمتلك نظرة وبصيرة ويرى الأمور العليا، لا تؤثّر فيه الأحداث التي تجري من حوله لأنّه ينظر إلى ما هو أعلى منها.
ألم يقل المرحوم العلاّمة ألم يقل؟ ألم يقل لنا إنّ الأمور لن تكون هكذا بل ستكون على حالة أخرى. متى؟ قبل سنوات، سنوات قبل أن يحدث أيّ شيء! سنوات قبل أن نرى شيئًا، سنوات قبل أن نشاهد شيئًا، ومع ذلك فقد كان يقول بمقدار الضرورة وليس في أيّ مقام. لماذا؟ لأنّه ينظر إلى الأعلى. ثمّ هو ينظر إلى الأحداث التي تجري الواحدة تلو الأخرى، فكأنّ هناك سجلاً تطوى منه صفحة بعد صفحة وهو ينتظر طيّ تلك الصفحة الأخيرة التي يراها.
وقد نقلت للرفقاء إنّنا كنّا نمشي ذات ليلة في عهد الحكومة العسكريّة، ولم يكن قد بقي لها سوى ساعة واحدة، وقد خرجنا معًا من المسجد وتوجّهنا مشيًا نحو البيت، فمشينا من هذه الجهة لشارع سعدي إلى تلك الجهة، وعند عبورنا من قرب باعة الجرائد ـ أصلاً هو لم يكن يشتري جريدة، ونحن لم نكن نشتري جريدة آنذاك ـ نظر فجأة فرأى صورة رجل صار فيما بعد رئيسًا للجمهوريّة، والجميع يعلمون قصّته التي جرت لاحقًا، وأنا لم أكن أعرفه آنذاك، فقط كنت قد سمعت اسمه مرّة أو مرّتين. فأشار المرحوم العلاّمة بالعصا إلى الجريدة وقال: من هذا؟ قلت: إنّه كذا وداخل في هذه الأمور وقد سمعت أخيرًا باسمه. فهزّ برأسه وقال: سيأتي يوم يسبّب فيه هذا الرجل مشكلة لإيران لا يمكن التعويض عنها. وذلك قبل أن تكون هناك أي مشكلة، فهؤلاء من أين يعرفون ذلك؟ من الذي أخبرهم بذلك؟ هل يمكن أن تؤثّر فيهم تلك الأحداث؟ هل يمكن؟ هناك الآلاف من الناس يقطّعون أنفسهم قطعًا قطعًا في الوقت الذي يشاهد فيه هذا ماذا سيحدث، ماذا سيحدث؟ ماذا سيرى؟ فأيّ شيء سيغيّر أحوالهم؟
