
كيف نصحّح أفكارنا لنحقّق التقوى؟
ما هي الخطوات العمليّة الثلاث لتصحيح الفكر والخيال؟ ما الربط بين التقوى والعقل؟ كيف تجلّى كمال عقل أبي الفضل العبّاس في تركه لشرب الماء؟ ما هي موارد حسن الظنّ وموارد التدقيق في أفعال الآخرين؟ ما الربط بين إنكار بعض العلماء لبعض الحقائق الواضحة وبين انعدام التقوى؟ تجيب هذه المحاضرة على هذه المحاور الأساسيّة ضمن اختتامها شرح فقرة هذا أوّل درجة التقى من شرح حديث عنوان البصريّ.
كيف نصحّح أفكارنا لنحقّق التقوى؟
11كلّ هذه الأمور لأنّنا اقتصرنا على الحدّ الأدنى فيما يرتبط بأعمالنا ولم نرد أن نتكامل. أردنا دائمًا أن نبقى في هذه الأفكار السفلى، أردنا دائمًا أن نبقى في هذه العلاقات، أردنا دائمًا أن نبقى في علاقاتنا مع الناس لا نتقدّم خطوة إلى الأمام، أن لا نرفع فكرنا شيئًا ما، أن لا نفكّر بشكل أعمق، وعلى هذا الأساس فإنّ توارد الخيالات والأوهام في الليل والنهار يسيطر علينا، يذهب خيال فيأتي آخر، يأتي إنسان فيتكلّم بكلام فنقبل به، ثمّ يأتي آخر فيقول كلامًا آخر فنقبله، ويأتي ثالث فيتكلّم بكلامه فنتّبعه، لا نحقّق بأنفسنا، لا نبحث نحن مع غضّ النظر عمّا يقال، نحكم بسرعة، نعطيه الحقّ بسرعة، أو نحكم عليه بسرعة. كلّ ذلك لأنّ هذه النفس وقدرتنا الفكريّة والعقليّة رغم أنّها بلحاظ الأمور الظاهريّة والعلوم قد حصلت على امتياز وتكامل، ولكن من ناحية بناء النفس هي لا تزال في مرحلة الطفولة.
عندما اخترع شريط التسجيل والمسجّل سابقًا ـ وكثير منكم يذكر ـ كان بحجم كبير وكان يستغرق ساعة حتّى ينهي دورة كاملة، ثمّ بعد سنوات صارت تلك الساعة في شريط صغير مضغوط وأفضل من السابق وأنظف وأجمل. ثمّ مضت مدّة أيضًا فاستبدل بهذه الأجهزة، والآن شيئًا فشيئًا يسير باتّجاه أن تجعل ليست فقط هذه الساعة بل مئات الساعات من الكلام في جهاز بحجم الظفر، نصف ظفر، ثلث ظفر. فهناك أجهزة تخترع بمقدار رأس الإبرة وبإمكانها أن تحفظ في آلاف الساعات. فماذا يزداد هذا الجهاز من ناحية القيمة والمكانة؟ لا شيء. فقط صار صغيرًا، وصارت المعلومات المحفوظة فيه كثيرة، ولكن لا وجود للإدراك. الإدراك الذي كان له هو بعينه لا يزال موجودًا لم يختلف الأمر. لم يزدد الفهم، بل ازداد الحجم! نحن كنّا نسعى إلى زيادة حجم المعلومات حتّى الآن، لا إلى صناعة النفس والبناء النفسي والبناء الفكري والبناء العقلاني، لم نكن نسعى إلى ذلك. لقد زدنا من معلوماتنا، لقد قرأنا الكتب، ولكن الكتب لا ترفعنا، لقد أضفنا دفترًا إلى الدفاتر السابقة، وهذا لا يصحّح فكرنا، وطبعًا الكلام الذي نقله الأعاظم والمعايير التي قدّموها توضّح الطريق لأجل الوصول إلى المطلوب، ولكن نحن المسؤولون عن تطبيقها على أنفسنا، وتطبيقها في أنفسنا، حتّى نصل بعد مرور الزمان والأيام والشهور والسنين شيئًا فشيئًا من حيث الرقيّ الروحيّ والفكريّ والعقلانيّ إلى تلك المرتبة وإلى تلك المباني التي أوضحت لنا، وتلك القاعدة وتلك الحال بحيث يكون الكلام الذي نقوله فصلاً لا خطأ فيه.
