
التقوى وتصحيح الفكر والخيال
كيف تنشأ التوهّمات والتخيّلات؟ وهل الكدورة والظلمة من الخطأ الخارجي أم نيّته؟ وما معنى يا أيّها الذين آمنوا تّقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورًا تمشون به؟ هل العمل وفق التكليف والمنطق هو من الدنيا واعتباراتها وتخيّلاتها؟ بماذا يشترك طلحة والزبير مع مالك الأشتر وبماذا يتميّزان عنه؟ تجيب هذه المحاضرة على هذه الأسئلة ضمن شرح فهذا أوّل درجة التقى من حديث عنوان البصري.
التقوى وتصحيح الفكر والخيال
الوصف:
كيف تنشأ التوهّمات والتخيّلات؟ وهل الكدورة والظلمة من الخطأ الخارجي أم نيّته؟ وما معنى يا أيّها الذين آمنوا تّقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورًا تمشون به؟ هل العمل وفق التكليف والمنطق هو من الدنيا واعتباراتها وتخيّلاتها؟ بماذا يشترك طلحة والزبير مع مالك الأشتر وبماذا يتميّزان عنه؟ تجيب هذه المحاضرة على هذه الأسئلة ضمن شرح فهذا أوّل درجة التقى من حديث عنوان البصري.
التقوى وتصحيح الفكر والخيال
5كيف تنشأ التوهّمات؟
لو فرض الإنسان نفسه وحيدًا في الدنيا ليس على وجه الأرض غيره، لا وجود لآخر معه وقد جعل الله له المقدار الكافي من القوّة والغذاء وسائر النعم من الترفيه وتفريج الهمّ والسكن وسائر النعم، كلّ ذلك مؤمّنٌ له، ولا وجود لأحدٍ آخر غيره فكم يستفيد ممّا أعطاه الله؟ بمقدار ما يأكل ويشبع، وأمّا الباقي فلا شأن له به، يختار مكانًا مناسبًا لحياته ويقتصر على ذلك المقدار والطريقة التي تجعله يأكل ويشرب بسهولة ويستريح ولا شأن له بأكثر من ذلك، ليس هناك من يزعجه، ليس هناك من يعارضه في ذلك، ولكن لو أنّه إذا استيقظ في اليوم التالي رأى إنسانًا آخر إلى جانبه، حينها سيشعر بالفرق: عليّ أن أذهب قبله، قبل أن يأخذ ما أريد! بمجرّد حدوث هذا الأمر تفسد الحال بمجرّد ذلك، عليّ أن أصل إلى هذا المكان قبل أن يصل هو، عليّ أن أنال تلك النعمة قبله، فهذا إذا صارا اثنين، أمّا لو صارا ثلاثة أو صارا مجتمعًا أو صارا عالمًا فانظروا كيف ستكون الأحوال!
كلّ ذلك بسبب أنّ التعلّق بالدنيا والتعلّق بالكثرات يبعده عن تلك الحقيقة البسيطة والصافية والزلال والماء المعين الذي لا لون له ولا كدورة. ففي البداية هناك إنسانٌ واحدٌ آخر، فإنّه يحدث القليل من التكدّر، وفي اليوم التالي يصبح هناك اثنان آخران فيزداد مقدار التعلّق قليلاً، وهكذا وهكذا إلى أن يصبح لا يترك شيئًا في سبيل الوصول إلى الدنيا، فلا يفكّر في الوصول إلى الدنيا بأنّ هذا الأمر في صالحه أم ليس في صالحه، لا يفكّر في أنّ هذا العمل يبعده عن التوحيد أو يقرّبه منه، يصبح سكران ثملاً نائمًا، وفي حالة تسلب منه قواه العقليّة، تنصحه فينظر إليك كالجدار! إنّه ذاك عينه الذي كنت إذا نصحته تفيض عيناه من الدمع قبل أسبوعين! فماذا حصل الآن حتّى صار ينظر إليك وكأنّه جدار؟! خُدِّر وسكِر ومُسخ وصار حيوانًا.
للإنسان عقل ومنطق وفهم وفكر ينتخب الصحيح، والذي ينظر إليك هكذا وكأنّه جدار لم يعد إنسانًا، لقد خرج عن الإنسانيّة، ووصل إلى الحيوانيّة، هذا مع أنّ الحيوانات في أحسن حال وهي خير منّا، هي متقدّمة في هذه الأمور! فالحيوان بريء لم يفعل شيئًا، لم يخطئ، لا يدرك. يمشي في طريق معيّن له، فانظروا إلى الأسد، إلى النمر والفهد وقد رأيتموها في الصور، وقد رأيت بنفسي حيث كنت في مكان ما أسدًا كانت تأتي الحيوانات الأهليّة وتجلس على بعد خمسة أقدام منه فلا يؤذيها لأنّه شبعان، نفسه لا تقتضي الأذى. ولكن إذا ما جاع فإنّه يذهب ويأخذ بمقدار ما أمره الله، فيأخذ واحدة ويأكل منها مقدارًا ويترك الباقي لغيره. أمّا هذا الإنسان فماذا يفعل؟ إذا سقط الإنسان عن قواه الإنسانيّة وسلبت منه فإنّه لا يدرك شيئًا بعد ذلك.
