
التقوى وتصحيح الفكر والخيال
كيف تنشأ التوهّمات والتخيّلات؟ وهل الكدورة والظلمة من الخطأ الخارجي أم نيّته؟ وما معنى يا أيّها الذين آمنوا تّقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورًا تمشون به؟ هل العمل وفق التكليف والمنطق هو من الدنيا واعتباراتها وتخيّلاتها؟ بماذا يشترك طلحة والزبير مع مالك الأشتر وبماذا يتميّزان عنه؟ تجيب هذه المحاضرة على هذه الأسئلة ضمن شرح فهذا أوّل درجة التقى من حديث عنوان البصري.
التقوى وتصحيح الفكر والخيال
8لقد عرض الإسلام على أبي سفيان وأبي جهل فإن شاؤوا آمنوا وإن شاؤوا عقدوا جلسة في منتصف الليل يسخرون فيها من النبيّ. لقد بيّن الهداية لجميع أبناء الأمّة وأضاء الطريق، وأوكل الناس إلى أمير المؤمنين، ثمّ هم يجتمعون أربعة أربعة أو خمسة خمسة أو عشرة عشرة في مجالسهم يخطّطون للمؤامرات حتّى إذا مات النبيّ ينتخبون غيره. فليفعلوا ذلك فليفعلوا. وليفعلوا عشرة أضعاف ذلك، ومائة ضعف ذلك، لقد بلغ هو باستعداداته إلى كمالها، ووصل إلى ذلك المقام وإلى تلك الدرجة، فليذهب الآخرون وليتآمروا كما يشاؤون، فهذا معنى الإيمان.
{يا أيّها الذين آمنوا اتّقوا الله وآمنوا} فلا تتّخذوا كلام النبيّ هزوًا ومزاحًا، فسيأتي يوم تضربون فيه على رؤوسكم ندمًا، ستندمون يومًا ما، ستتحسّرون يومًا على العمر الضائع وستقولون: {يا حسرتى على ما فرّطت في جنب الله...} لقد كان المرحوم العلاّمة يقول هذا أيضًا، لقد سمعنا هذا الكلام بعينه من فم المرحوم العلاّمة في حياته ـ لا عن نفسه، بل حتّى سمعت منه عن نفسه أيضًا ـ بل عن الأعاظم عن أساتذته السابقين، كان يقول: هؤلاء الذين كانوا على تواصل مع أساتذته من السيّد الحدّاد وغيره ولم يعملوا ولم يستفيدوا، هم يعترفون الآن ويقرّون بأنّهم افتقدوا مصباحًا ومشعلاً منيرًا.
وهذه قصّة عنه هو، فقد قلت له مرّة: يبدو أنّ هذا الكلام هو عنكم أنتم! فضحك وقال على كلّ حال. ونحن نقول هذا الكلام بعينه عنه، فنحن نتحسّر على فقد كبير مثله كما تحسّر الآخرون، ولكنّا نأمل أن يشملنا الله جميعًا بلطفه، وأن يأخذ بأيدينا في متابعة ذلك الطريق، فلا نتحسّر بعد ذلك على خسارة الفرصة في ما بقي من عمرنا إن شاء الله.
فآية {يا أيّها الذين آمنوا اتّقوا الله وآمنوا برسوله} معناها أن يكون لدينا إيمان في القلب، فهذا الإيمان هو سرّ العمل، فمن لم يكن لديه إيمان في جميع أعماله التي يقوم بها فإنّها ستكون هباء، ولو صلّى من الليل حتّى الصباح لأنّه لا إيمان له، فالإيمان يعني الاعتقاد، الاعتقاد بالصدق، الاعتقاد بالإخلاص، الاعتقاد بالحقيقة، الاعتقاد بإحدى الحقائق، الاعتقاد بحقانيّة المدرسة والطريق، فهذا هو الذي يعطي الصلاة روحًا، ويأخذها ويرتفع بها إلى الأعلى، هذا الاعتقاد، أمّا أن يقوم الإنسان ويصلّي صلاة الظهر وصلاة العصر لأنّهم قالوا صلّ [فلا فائدة من ذلك].
