
التقوى وتصحيح الفكر والخيال
كيف تنشأ التوهّمات والتخيّلات؟ وهل الكدورة والظلمة من الخطأ الخارجي أم نيّته؟ وما معنى يا أيّها الذين آمنوا تّقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورًا تمشون به؟ هل العمل وفق التكليف والمنطق هو من الدنيا واعتباراتها وتخيّلاتها؟ بماذا يشترك طلحة والزبير مع مالك الأشتر وبماذا يتميّزان عنه؟ تجيب هذه المحاضرة على هذه الأسئلة ضمن شرح فهذا أوّل درجة التقى من حديث عنوان البصري.
التقوى وتصحيح الفكر والخيال
3لقد كنّا نرى آنذاك أنّ بعضهم يقضون أوقاتهم بهذه الأمور، بالكلام الذي لا فائدة منه ولا نتيجة له، نتيجته فقط تلف الأعصاب والمرض والاضطراب وفي النهاية الكدورة وتشويش البال لا أكثر. فهذا يقول: أنا أقول الحقّ. وهذا يقول: أنا أقول الحقّ. هذا يقول: هذا دليلي. وذاك يقول: هذا دليلي. فيا عزيزيّ لا أنت لك دور هنا ولا ذاك الذي يتكلّم، كلاكما مخدوع تتلفان أعصابكما وتفسدان العلاقات الأسرية وتسبّبان المشكلات وبدلاً من العلاقة الودّية والمحبّة والأمور التي تزيد الأنس والألفة والحفاوة بين النفوس تقولون هذا جيدّ وهذا سيّء، هذا فعل كذا وهذا فعل كذا، هذا يقول: أنا أقول الحق وذاك يقول: أنا أقول الحق. وذاك يقول: أنت كذا وأمثال هذا الكلام الفارغ الموجود دائمًا كان ولا يزال.
لقد كان يقول: إنّ على السالك أن لا يقضي أوقاته بهذه الأمور، على السالك أن يستفيد من أوقاته بأقصى ما يمكن، أن يقول كلامًا مفيدًا ـ هذا الكلام الذي أريد أن أقوله إنّما أقوله لأنّي أريد أن أبدأ ببحث التقوى وأن نطرح أوّل مرتبة التقوى في عالم المثال والتخيّل فأذكر هذه الأمور من باب المقدّمة لتحقيق الاستعداد في أذهان الرفقاء ـ فإذا جلستم في مكانٍ فمن العبث أن يتوجّه الفكر حيث يشاء فإنّ زمامه بيد الإنسان، يبدأ بالحديث من الشرق من السماوات من المنظومة الشمسيّة والمجرّات، هكذا يدور ويأتي ويسير بسرعةٍ أيضًا لا تبلغها سرعة النور، ذهن الإنسان يسير فيما وراء الزمان ويظهر في النفس بشكل الزمان.
تصوّر الشمس في لحظةٍ في ثانيةٍ والأرض إلى جانبها فكم هي المسافة الفاصلة بين الشمس والأرض؟ يقولون إنّها حوالي تسع دقائق، ثمانية دقائق وثلاثة عشر أو أربعة عشر ثانية، في كلّ ثانية يطوي هذا ثلاثمائة ألف كيلومتر، فنحن في لحظةٍ واحدة نطوي المسافة بين الشمس والأرض دون أن يحدث أيّ شيءٍ، دون قلق، دون أن تتبدّل أيّة مادةٍ إلى طاقة، دون أن تُطرح أيّة مسألة كالنسبيّة وأمثالها، نذهب من غرب العالم إلى شرقه في ثانية، نجوب الأرض كلّها في ثانية، نخيط هذا بذاك، نربط هذا بذاك، نفصل هذا عن ذاك، نلصق هذين ببعضهما، كلّ هذا كائنٌ تحت تصرّف الإنسان في عالم التخيّل، وعلى الإنسان أن يُمسك بقوّة خياله ويسيطر عليه، فإذا كان الإنسان جالسًا في مكانٍ فعليه أن لا يُرسل بفكره إلى أيّ مكانٍ آخر، عليه أن لا يُرسل بذهنه إلى أيّ مكان، أن لا يُسلم زمام فكره إلى يد الهوى والوهم والخيال، فيرى فجأةً أنّه خلال نصف ساعة قد امتلأ من كافّة الأمور، وانطبعت ألف صورةٍ في ذهنه، وحدثت ألف صورةٍ موزونةٍ وغير موزونةٍ في قلبه.
