
التقوى وتصحيح الفكر والخيال
كيف تنشأ التوهّمات والتخيّلات؟ وهل الكدورة والظلمة من الخطأ الخارجي أم نيّته؟ وما معنى يا أيّها الذين آمنوا تّقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورًا تمشون به؟ هل العمل وفق التكليف والمنطق هو من الدنيا واعتباراتها وتخيّلاتها؟ بماذا يشترك طلحة والزبير مع مالك الأشتر وبماذا يتميّزان عنه؟ تجيب هذه المحاضرة على هذه الأسئلة ضمن شرح فهذا أوّل درجة التقى من حديث عنوان البصري.
التقوى وتصحيح الفكر والخيال
18يختلف أوّل الأمر عن آخره، ودقّقوا جيّدًا فيما أريد أن أقول، ففي البداية عندما يخرج من الباب يغضب من أمير المؤمنين وهذه هي البداية، هذه بداية الأمر وبداية الخط ونقطة الانطلاق، بمجرد أن يخرج من باب المنزل يبدأ بالتوهّمات والتخيّلات، فتتجسّد في ذهنه أعماله الواحد تلو الآخر، يتجسّد أمامه كلّ ما عمله، تتجسّد تلك العلاقات، تأتي الواحدة منها تلو الأخرى، وكلّما جاءت واحدة خرج أمير المؤمنين من قلبه وابتعد قدمًا فإذا جاءت الصورة الثانية خطوة أخرى، والصورة الثالثة مثلها حتّى يصل الأمر إلى الخروج عليه وقتله، لماذا؟ لأنّه لم يعطيك مبنى لم يقل هذا المكان لك وهذه المدينة لك.
اجعلوا أنفسكم مكانهم!
انظروا لقد كان هؤلاء مثلنا فلا تتصوّرا أنّنا خيرٌ منهم، نحن مثلهم وفي عين أوضاعهم، نحن أيضًا في ذلك المكان، نحن أيضًا في ذلك الظرف، لا يفصل بيننا وبينهم سوى الزمان، لقد فصل الزمان، وهذه الألف وأربعمائة سنة ارفعوها فنجد فجأةً أنّنا التصقنا بهم، يصبح طلحة هنا ويصبح الزبير هنا أيضًا ويصبح عمارٌ هنا والمقداد أيضًا هنا، يجلس سلمان هنا ويجلس أبو ذرٍّ هنا.
الذين تشرفوا بزيارة المدينة ـ رزق الله الذين لم يوفّقوا بعد ورزق الذين وفّقوا مرّة أخرى أيضًا ـ فإذا ذهبتم إلى المدينة فاقرؤا الزيارة وصلّوا ثمّ قوموا واجلسوا جانبًا وانظروا هناك إلى ذاك المكان وأوضاعه وانقلوا أنفسكم إلى ما قبل ألف وأربعمائة سنة لتروا ماذا يحدث أمامكم، فعمر هنا وأبو بكرٍ هنا وعليّ هناك، يرفعان السيف فوق عنق أمير المؤمنين إمّا أن تبايع الآن أو نضرب عنقك! وأمير المؤمنين أيضًا جالسٌ يقول: لماذا أبايع؟! لماذا يجب؟! فلنأخذ أنفسنا وأخذُنا أنفسنا إلى هناك يساعدنا كثيرًا يساعد طريقنا كثيرًا في تصحيح الخيال وفي تصحيح التوهّمات وتصحيح منطقنا وعقلانيّتنا ويؤثّر في ذلك كثيرًا، لنأخذ أنفسنا لنرى ماذا حصل في تلك الأحداث وماذا وقع في تلك الأوضاع والأمر نفسه قائمٌ الآن بعينه فلو كان هناك فيلمٌ عن ذلك الزمان وعُرض لنا لأمكن للإنسان أن يصل إلى تلك الأمور بشكلٍ جيّد.
