
هل تجتمع التقوى مع المظاهر والانقياد للأجواء الاجتماعيّة؟
ما هو المعيار للمظاهر الممدوحة والمظاهر المذمومة؟ وهل الظهور بمظهر حسن ونظيف مذموم؟ وهل يجوز الفرار من الحكم الشرعيّ بوجوب حلق الرأس للحفاظ على المظهر؟ ما نتيجة الاهتمام بالمظاهر والاهتمام برضا الله؟ هل هناك قيمة لمجالس العزاء التي تقام على أساس المظاهر؟ هل لعمل الوسواسيّ قيمة عند الله؟ تجيبك هذه المحاضرة عن هذه التساؤلات ضمن شرح فقرة فهذا أول درجة التقى من حديث عنوان البصريّ.
هل تجتمع التقوى مع المظاهر والانقياد للأجواء الاجتماعيّة؟
3يريد الإمام الصادق أن يوصلنا إلى هذا الموضع، فالإمام بهذه المعاني التي بُيّنت يقول: لقد وصلتم للتوّ إلى أول درجةٍ من التقوى، وإذ وصلتم إليها فبعنايةٍ من الله، وبالاتّصال بذلك المبدأ لا من دون اتصال، لأنّه لو كان من دون اتّصال فإنّه وهم أيضًا، بالاتصال والتلقين من ناحية الله والعلم بأنّ الله تعالى يُنزل على النفس والعقل ما هو حقّ، فلو حكم الناس جميعًا باتّجاهٍ معيّن، فإنّ ذلك الذي وصل إلى مرتبة التقوى يحكم بأخرى، ليس من الضروريّ أن يثير الضجيج، ليس من الضروريّ أن يتظاهر بين الناس بهيئةٍ خاصّة، ليس من الضروريّ أن تترافق الأفكار التي يراها مع الضجيج والأجواء والمظاهر وأمثالها، هو يفهم الأمر بنفسه ويطأطئ رأسه ولا شأن له بالآخر أنّه هل وصل إلى هذه الفكرة أم لا؟ هل لديه القدرة على إدراكها أم لا؟ هو يأخذ هذه الفكرة ويسير ويتقدّم، فإذا وصل الإنسان إلى هذه المرتبة فهي مرتبة التقوى.
ما الفرق بين التقوى الحقيقيّة والزهد الظاهري؟
كما يذكر الرفقاء والأصدقاء فقد تقدّم بعض الكلام حول التقوى في الجلسات السابقة وذكرنا أنّ التقوى في اصطلاح المجتمع وعرفه لها معنى في حين أنّ لها معنى آخر عند أهل المعرفة وأهل العرفان وأهل العقل والمنطق والواقع، فالمعروف بين الناس حول التقوى أنّه كلّما كان الإنسان مطأطئ الرأس أكثر وكلّما كانت الخطى أقرب والكلام أقلّ، وإذا جلس على المائدة أكل من الأطعمة الأدنى والأخف، واشتغل بالعبادة أكثر، وقضى وقته بالأذكار والعبادات أكثر، وجعل ملبسه تحت الدرجة الوسطى، وكانت ثيابه في نظر الناس والعرف في حدٍّ متدنٍ جدًّا واستفاد من سيّارةٍ متدنيّة المستوى ولا يبالي بها أحد، فإنّ هذا الإنسان معروفٌ بالتقوى. وهذه المسألة وهذه الثقافة كانت منذ الزمان السابق فمنذ ذلك الزمان كان هناك هذا النحو من التفكير، غاية الأمر أنّه يظهر في كلّ زمانٍ بصورة وفق آداب ذلك الزمان، ومن هنا فإنّ حقيقة التقوى تعادل لدى المجتمع الزهد سواءٌ من ناحية المفهوم أو من ناحية الوجود الخارجي وكما يُسمّى حسب الاصطلاح الحمل الشائع الصناعي۱، فالتقوى هي بمعنى الزهد في صفٍّ واحد ومستوى واحد فهذه هي التقوى.
- اصطلاح في علم المنطق يقصد به ملاحظة المفهوم كمرآة للأفراد والمصاديق الخارجيّة لمفهوم ما كقولنا الإنسان ضاحك، فإنّ الضحك هو لأفراد الإنسان لا لمفهومه، ومقابل ذلك اصطلاح آخر هو الحمل الأولي أي النظر إلى المفهوم في نفسه لا كمرآة للأفراد والمصاديق التي تحته كقولنا الإنسان حيوان ناطق. راجع في ذلك منطق المظفر ص٥٦. (م)
