
هل يمكن الوصول إلى التقوى من دون العمل بالموازين العقليّة؟
ماذا يحصل لو لم يعمل الإنسان وفق الموازين والمعايير وسار في مواقفه وكلامه على أساس المداراة؟ وهل يمكن أن يصل إلى مرتبة التقوى بهذه الطريقة؟ لماذا كان المرحوم العلاّمة يؤكّد على التخلّي عن مظاهر الحياة الغربيّة في أسلوب حياتنا؟ لماذا وصل أعداء الإمام الحسين عليه السلام إلى ما وصلوا إليه مع أنّهم كانوا يصلّون حتّى الليلة الأخيرة؟ هل في صلاة التراويح جماعة وحذف حيّ على خير العمل أبّهة للإسلام؟ ما الفرق بين المداهنة وحسن الدعوة إلى الحق؟ تجيب هذه المحاضرة عن هذه الأسئلة ضمن شرح فقرة فذلك أوّل درجة التقى من حديث عنوان البصريّ.
هل يمكن الوصول إلى التقوى من دون العمل بالموازين العقليّة؟
3لماذا كان العلامة الطهراني يؤكّد على اجتناب المظاهر الغربيّة؟
ولذلك كان تأكيد المرحوم العلاّمة رضوان الله عليه على أنّ على الإنسان أن يجتنب المظاهر والعادات الغربيّة والاستغراب، ويجتنب المظاهر التي يعيش على أساسها سائر الناس في علاقاتهم. فالنفس تأتي شيئًا فشيئًا وتتأثّر بهذه المظاهر، فاليوم إن قام بعمل ما فإنّه يخجل، تمامًا مثل الإنسان الذي يرتكب ذنبًا ـ وهذا الأمر مشهود على الخصوص بين الشباب والفتيان والذين هم من أصحاب القلوب النزيهة والنفوس الطاهرة ـ فإذا ارتكب الإنسان ذنبًا يشعر بالخجل، يرى نفسه أمام الله في حالة من الخجل والحياء ويصمّم على عدم العودة. وفي المرّة الثانية إذا حصل ذنب فإنّه يشعر بذلك أيضًا، وفي المرّة الثالثة يشعر به بنسبة أقلّ، ثمّ يصل إلى مرحلة يصبح فيها ارتكاب الذنب وعدمه سيّان عنده، ولأنّه لا يمكن أن يحرّر نفسه من الأفكار المقبولة ومن تلك العقائد التي كانت في ذهنه سابقًا، لأنّ الإنسان إمّا أن ينحّي عقله وعقلانيّته ويأكل ويتمتّع كما تأكل الأنعام ويعيش في محيطه التخيّلي الذي لا مشكلة فيه ولا ندم، ولا شعور بالخسارة. فالغنمة عندما تولد تبدأ بالرعي حتّى تؤخذ إلى المسلخ. والجمل عندما يولد يعيش في محيطه التخيّليّ كالبهيمة المربوطة۱ يعيش هكذا يرعى أعشاب البراري، ويشرب الماء، ويقوم بالأعمال اليوميّة المتعارفة إلى أن يأتيه إمّا الموت الطبيعيّ أو ينحر. ولا يشعر في وقت من الأوقات بالندم والخسارة أنّي لماذا ولدتُ، لماذا ينحرونني، لماذا يأخذونني إلى المسلخ؟ تفكيره فقط في الطعام والنوم دون غيرهما، فإذا انقطع ذلك انقطع التفكير أيضًا، لا شعور لديه بالندم. ولو سُئلت غنمة يقاد بها إلى المسلخ: ألم تشعري بالخسارة في هذه الأشهر الستّة أو السنة التي قضيتها في الدنيا؟! لم تتعلّمي المعارف؟! قضيت عمرك بالبطالة؟! فإنّها تقول: ماذا تقول أنت؟! لقد أكلنا الأعشاب والأعلاف وسمنّا والآن هم يأخذوننا في النهاية! فهذا منتهى التفكير ومنتهى التخيّل الذي يكون لدى الحيوان، وهذا لا مشكلة فيه.
المشكلة هي أنّنا نمتلك حياة حيوانيّة بأفكار إنسانيّة، هنا تبدأ المشكلة، نريد أن نجمع بين هذين التفكيرين وهاتين الغريزتين، فتارة نحن نُمسخ، والمسخ يعني عدم فهم شيء، فالإنسان قد يغوص في الشهوات إلى حدّ لا يبقى معه مجال للتفكير أصلاً، فهذا لا يحصل، ولكنّ الكثيرين لسوا كذلك، فكثيرون هم الذين يحافظون على ما تبقّى من وجدانهم إلى نهاية العمر، ودائمًا يصارعون تلك الأفكار ويحاربونها. لماذا فعلت ذلك؟ لماذا حصل هذا؟ لماذا لم أفعل كذا؟ ليتني فعلت كذا! فمن يمتلك فرصة ثمّ يقصّر ويخسرها يلوم نفسه، لماذا؟ لأنّه لا يزال لديه شيء من الوجدان، ويمكن للإنسان أن يصل إلى مرحلة يفقد فيها لوم نفسه، فهذا خارج أصلاً من مرتبة الإنسانيّة، ويندرج تحت الحيوانات {بل هم أضلّ}.٢
- اقتباس من الرسالة ٤٥ من نهج البلاغة: فما خلقت ليشغلني أكل الطيّبات كالبهيمة المربوطة همّها علفها
- سورة الأعراف، الآية ۱۷٩.
