
الوحي واتّباع الحقّ
معنى قول عنوان البصريّ (ففرّغتُ قلبي له) ج۳
كشف سماحة السيّد الطهراني (قدّس الله روحه) في هذه المحاضرة اللثام عن مسألة الوحي مُبيّنًا أنّ المناط فيه هو القلب المُفرّغ، فذهب عميقًا في بيان هذه العلاقة، مستهلًّا الكلام بقاعدة أنّ المدار في التوحيد هو الحقّ وحسب. ومِنْ جملة ما تضمّنته المحاضرة أن فعل الله هو عين الحقّ لا أنّه ينطبق على الحقّ كما هو الحال معنا. ثمّ بسط الكلام تحت العناوين الفرعيّة التالية؛ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوْحَى إِلَيَّ – كيف بلغ رسول الله مقام يُوْحَى إِلَيَّ – وليّ الدين والقائم بأمره هو الحجّة ابن الحسن وحسب – سيكون في آخر الزمان أقوام متعمّقون – لكلّ مقام مقال وحال يجب مراعاتهما – لِوجودنا بطون وحقائق متداخلة – حصل للنبيّ هذا التجلّي والوحي لأنّه فرّغ قلبه.
الوحي واتّباع الحقّ
7وليّ الدين والقائم بأمره هو الحجّة ابن الحسن وحسب
إنَّنا نعتقد اليوم – للأسف الشديد – أنَّنا أصبحنا أولياء الدين، وأنَّ الدين قائم بوجودنا المبارك ذي الجود، وكأنّه لو سقطتْ شعرة واحدة مِنْ شعر رأسنا سينمحي الدين عن الوجود. كلّا يا هذا، اعتقادك هذا لا صحّة له، لقد وُجدنا في هذه الدنيا لبرهة محدودة مِنَ الزمن لنؤدِّي الواجب المترتّب علينا، وهو الواجب المترتّب على جميع الناس في الوقت نفسه؛ فلا يقتصر الواجب على أهل الفضل والعلم فقط، بل كلّ واحدٍ منَّا مسؤول بمقدار قدرته على تحمّل تلك المسؤوليّة، وعليه بمقدار قابليّته إيصال ما لديه للآخرين، فلا تتصوّروا أنّه لا يترتّب علينا أيّ تكليف في هذا المجال ما لم نمتلك مواصفات خاصّة.
نحن نتصوّر أنَّنا أولياء الدين والقائمين بأمره. كلّا، ليس الأمر بهذا الشكل، فلستُ أنا وأمثالي أوليّاء الدين، بل إنَّ وليّ الدين والقائم بأمره رجلٌ واحدٌ فقط وهو الحجّة ابن الحسن (أرواحنا لتراب مقدمه الفداء) لا غير. أمّا الآخرون فلا يتعدّون كونهم وسائط، وكلّ بمقدار ذخيرته العلميّة وتجربته الروحانيّة ومدركاته القلبيّة والشهوديّة والنفسيّة؛ فبمقدار قدرتنا على تلقّي المعارف وحفظها سوف تترشّح عنّا المعارف. أمّا بالنسبة إلى الآخرين [مِنْ عوامّ الناس] فعليهم ألّا يصغوا إلى أيٍّ كان، بل عليهم أن يفحصوا ويدقّقوا في كلّ كلام يصدر، مِن دون أن يلتفتوا [ويأخذوا بالاعتبار] عُمْر المتكلّم وتقدّمه في السنّ ومكانته بين الناس، بل يجب التدقيق في محتوى كلامه [مهما بلغ عمره ومكانته]. فكم يحصل أن تصدر كلمات ذات مغزى عميق مِنْ شابّ بعمر العشرين، لا يصدر مثلها مِمَّن مضت عليه سبعون أو ثمانون سنة مِنَ العمر، وهو مِمّن يدّعي ما يدّعيه رغم أنّه لا يستطيع إدراك كنه تلك الكلمات، بل يطرح مواضيع خاطئة على الآخرين بدل المواضيع الصحيحة.
بناءً على هذا، لا ينبغي لنا أن نتجاوز حدودنا ولا ينبغي أن نعتبر أنفسنا مِنْ أولياء الدين. ذلك اعتقاد واهٍ لا يستند على أساس صحيح. فصاحب الاختيار والقائم بدين الله ووليّ أمره والماسك بزمام أمور الشريعة في هذه الفترة الّتي مرّ عليها حتّى الآن قرابة ألف ومائة وخمسين عامًا، أي منذ ارتحال الإمام العسكري [حتّى الآن هو الإمام الحجّة]. ولقد كان وليّ أمر الدين هو نفس رسول الله في فترة حياته، ثمّ جاء مِنْ بعده أمير المؤمنين ثمّ الإمام المجتبى فسيِّد الشهداء ثمَّ الإمام علِيّ بن الحسين فالإمام الباقر والإمام الصادق والإمام موسى بن جعفر والإمام علِيّ بن موسى الرضا والإمام الجواد والإمام الهادي والإمام الحسن العسكري، فهؤلاء هم أولياء الدين خلال ما يقارب مائتين وثمانية وخمسين سنة. أمّا أصحاب الإمام الصادق أمثال هشام بن الحكم أو محمّد بن أبي عُمير أو محمّد بن مسلم أو زرارة أو أبي بصير، فلم يكونوا أولياء الدين، بل كان الإمام الصادق هو وليّ الدين لا غير. نعم لقد كان أولياء الدين هم الإمام الباقر والإمام الرضا .. فأولياء الدين والماسكون بزمام أمره هم المعصومون الأربعة عشر لا غير، [أمّا غيرهم] مِمَّن يأتي بعدهم إنّما يقتفي آثارهم، وهذا أمر ثابت لا نقاش فيه.
