
الوحي واتّباع الحقّ
معنى قول عنوان البصريّ (ففرّغتُ قلبي له) ج۳
كشف سماحة السيّد الطهراني (قدّس الله روحه) في هذه المحاضرة اللثام عن مسألة الوحي مُبيّنًا أنّ المناط فيه هو القلب المُفرّغ، فذهب عميقًا في بيان هذه العلاقة، مستهلًّا الكلام بقاعدة أنّ المدار في التوحيد هو الحقّ وحسب. ومِنْ جملة ما تضمّنته المحاضرة أن فعل الله هو عين الحقّ لا أنّه ينطبق على الحقّ كما هو الحال معنا. ثمّ بسط الكلام تحت العناوين الفرعيّة التالية؛ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوْحَى إِلَيَّ – كيف بلغ رسول الله مقام يُوْحَى إِلَيَّ – وليّ الدين والقائم بأمره هو الحجّة ابن الحسن وحسب – سيكون في آخر الزمان أقوام متعمّقون – لكلّ مقام مقال وحال يجب مراعاتهما – لِوجودنا بطون وحقائق متداخلة – حصل للنبيّ هذا التجلّي والوحي لأنّه فرّغ قلبه.
الوحي واتّباع الحقّ
6كيف بلغ رسول الله مقام يُوْحَى إِلَيَّ
ما الّذي أوصل رسول إلى مقام {يُوحى إِلَيَّ}؟ لقد حصل ذلك نتيجة التزكية والتربية والسير والسلوك وسهر الليالي واعتزال الناس في غار حراء وانشغاله بنفسه، فكلّ ذلك قد عَمِل على إيصال النبيّ إلى المقام الّذي قالت عنه الآية {يُوحى إِلَيَّ}. هذا هو الفرق بينه وبيننا، حيث إنّه يُوحى إليه ولا يُوحى إلينا.
بناءً على هذا، فالجنبة البشريّة لرسول الله والأئمّة والأولياء ثابتة في محلّها، وذلك لأنّهم يقومون وفقًا لطبيعتهم النوعيّة البشريّة بما يقوم به عادةً سائر الناس مِنْ أعمال، فهم ينامون ويستيقظون ويأكلون ويمشون ويتكلّمون مع الناس ويحاربون ويصالحون ويعظون الناس ويتزوّجون ويقومون بكلّ ما تقتضيه طبيعتهم البشريّة، وهذا مما لا يشكّ فيه أحد.
أمّا إن نظرنا إلى الجنبة الأخرى، سنلاحظ أنّه يُوحى إلى رسول الله، ولكن لا يُوحى إليَّ وإليك، فما هو سبب هذا الاختلاف؟ علينا أن نركّز تفكيرنا على هذا الأمر لا على الأمر الأول؛ فمِنْ مقتضيات تلقّي الوحي هو أن تمتلك هذه الشخصيّة الاستعداد والقابليّة لتجلّي الأسماء والصفات الإلهيّة فيها، ومِنْ دون أن يكون للنفس دخل في الأمر. وهذه المسألة الأخيرة هي ما نريد بيانه في حديثنا مع الإخوة في هذه المجالس؛ فلا ينبغي للنفس أن تتدخّل عندما ينزل حكم الله مثلًا في هذه الآية {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما}۱، فلم نرَ رسول الله يسعى لتأويل هذا الحكم، ولم يفكّر في تطبيقه على الناس بينما يستثني أقرباءه منه، ولم يرَ أنَّ هذا الحكم مختصّ بزمان دون زمان. ألا يقولون مثل هذا الشيء في هذه الأيّام، ألم يقولوا أنَّ هذا الكلام مرتبط بما قبل ألف وأربعمائة سنة، فما الّذي يعنيه قطع اليد في زماننا؟! نقول لهم: لا.
فما يتواجد في ذهن رسول الله – وهو الأمر الّذي نفتقده – هي تلك الشفافيّة وذلك التلألؤ البرّاق الكامل لتجلّي ذات الله في عالم التشريع على لسان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ومِن خلال نفسه. فنفس الرسول (صلّى الله عليه وآله) تستلم تلك المطالب [المُوحاة] وتفهمها وتحفظها. لقد قال الإمام الصادق: «فاحفظها» ... فاحفظ هذا في صدرك. فهذا الحفظ هو نفس ذلك الحفظ المتعلّق برسول الله، على أنَّ حفظ الرسول للوحي في نفسه وحفاظه عليه، ليس لمجرد كونه واسطة كواسطة (الميكروفون) وأشباهه [في إيصال الصوت]، بل إنَّ لشخص الرسول القابليّة على إفاضة هذا الوحي مِنْ نفسه إلى الخارج، تلك القابليّة الّتي لا نمتلكها نحن – انتبهوا إلى هذا الأمر جيّدًا – فنحن لا نمتلك تلك القابليّة الّتي يمتلكها رسول الله، لماذا؟ إنَّ السبب في ذلك يعود إلى أنَّ الرسول لا يتصرّف ولا يتلاعب فيما يُوحى إليه ولا يُحاول أن يلفّ ويدور حوله لكي يجعله يصبّ في مصلحته تارة ويسبب ضررًا للآخرين تارة أخرى – إنَّ كلّ هذه المطالب الّتي أبيّنها لكم كنتُ قد شاهدت نظيرها عيانًا في عهد المرحوم العلّامة وسأوضّح لكم ذلك – نعم، لم يكن الرسول يتصرّف فيما كان يُوحى إليه زيادةً أو نقصانًا أو وفقَ ما تقتضيه المصالح الآنيّة. فإن نزل عليه الوحي بأمرٍ ما، عليه تبليغ ذلك الأمر، فلو قال عندها: إنَّ الناس لا تمتلك الاستعداد اللازم للتنفيذ. لقال له الله: إن لم يكن لديهم الاستعداد لذلك فلْيَكُن، فهذا أمر لا يعنيك في شيء أأنت وكيلهم! والقرآن يصرّح بهذه الحقيقة في قوله{طه * ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى}٢، {وفي قوله لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ}٣، أي إنَّك تلوم نفسك وتنفعل وتحزن بسبب عدم طاعتهم لأقوالك .. إن كانوا لا يطيعون فلْيَكن، فلستَ مسؤولًا عنهم في ذلك، بل إنَّ مسؤوليّتك تتمثّل في {ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ}٤، فمسؤوليتك لا تتعدّى التبليغ، فإن رفضوا الطاعة فليرفضوها وليذهبوا إلى جهنّم. وهذا أمر عامّ يشمل الجميع.
- سورة المائدة (٥)، جزء مِنَ الآية ٣۸.
- سورة طه (٢۰)، الآيات ۱ إلى ٣.
- سورة الشعراء (٢٦)، جزء مِنَ الآية ٣.
- سورة المائدة (٥)، جزء مِنَ الآية ٩٩.
