
الوحي واتّباع الحقّ
معنى قول عنوان البصريّ (ففرّغتُ قلبي له) ج۳
كشف سماحة السيّد الطهراني (قدّس الله روحه) في هذه المحاضرة اللثام عن مسألة الوحي مُبيّنًا أنّ المناط فيه هو القلب المُفرّغ، فذهب عميقًا في بيان هذه العلاقة، مستهلًّا الكلام بقاعدة أنّ المدار في التوحيد هو الحقّ وحسب. ومِنْ جملة ما تضمّنته المحاضرة أن فعل الله هو عين الحقّ لا أنّه ينطبق على الحقّ كما هو الحال معنا. ثمّ بسط الكلام تحت العناوين الفرعيّة التالية؛ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوْحَى إِلَيَّ – كيف بلغ رسول الله مقام يُوْحَى إِلَيَّ – وليّ الدين والقائم بأمره هو الحجّة ابن الحسن وحسب – سيكون في آخر الزمان أقوام متعمّقون – لكلّ مقام مقال وحال يجب مراعاتهما – لِوجودنا بطون وحقائق متداخلة – حصل للنبيّ هذا التجلّي والوحي لأنّه فرّغ قلبه.
الوحي واتّباع الحقّ
2أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم محمّد
وعلى آله الطيّبين الطاهرين واللعنة على أعدائهم أجمعين
ذَكَرَ الإمام الصادق عليه السلام لعنوان [البصريّ] تسع وصايا – وذلك بعد أن بيّن له بعض المطالب – في قوله «ثَلاثَةٌ مِنْها في رِيَاضَةِ النَّفْسِ، وثَلاثَةٌ مِنْها في الحِلْمِ، وثَلاثَةٌ مِنْها في العِلْمِ». ثمّ قال له «فَاحْفَظْها وإيِّاكَ والتَّهَاوُنَ بِها».
إنَّ الوصايا الخاصّة بالحِلْمِ هي وصايا مهمّة للغاية، يغفل عنها الكثير منَّا. أمّا ما يتعلّق منها بالعِلْمِ، فعلى الإنسان أن يتعرّف على ما يجب عليه تعلّمه، ويجب أن يكون له هدفٌ مِنْ وراء رغبته في ذلك العلم. ثمّ قال الإمام لعنوان: فاحفظها واجعلها نصب عينيك وحافظ عليها. وكلمة (احفظها) لا تعني مجرد الحفظ في الذاكرة كما [هي وظيفة] مسجّل الصوت، بل تعني هنا أن يتقبّل هذه الوصايا والتعليمات وأن يعمل بموجبها، هذا هو معنى الحفظ. فهو يقصد أن يسعى لتطبيقِ ومتابعةِ التعليمات الّتي قالها الإمام عليه السلام. [ثمّ قال له] «وإيَّاكَ والتَّهَاوُنَ بَهَا»، أي عليك أن لا تقصّر في تطبيقها ولا تستصغر شأنها ولا تصل إلى حدِّ عدم الاهتمام بأمرها.
سنرى – إن وفّقنا الله لإدامة الحديث مع الإخوة – كيف أنَّنا نتهاون بالفعل في الكثير مِن هذه المطالب. فمع كون هذه المطالب واضحة، غير أنَّنا لا نتعامل معها بجديّة تامّة. وبالرغم مِنْ أنّ السير والسلوك مبنيّ على هذه المطالب الّتي أوضحها الإمام الصادق عليه السلام في هذه الرواية، غير أنّه يوجد عندنا تصوّر آخر عن السير والسلوك. ولو أنَّنا التزمنا بالعمل بها، لما حصلت لنا أيّة مشكلة في أيّ جانب مِنْ جوانب الحياة، ولمَا وردت على أذهاننا أيّة شبهة، ولمَا احتجنا إلى أيّ شيء آخر معها.
المدار في التوحيد هو الحقّ وحسب
ثمّ قال عنوان «فَفَرَّغْتُ قَلْبِي لَهُ»، أي أَخرجتُ كلّ ما كان في قلبي. لقد رأيتُ ضرورة تقديم شرح مختصر لهذه العبارة، وقد جرى بالفعل توضيح بعض جوانبها في المجالس السابقة. ويمكن تلخيص ذلك بما يلي: إن لم يتمّ تفريغ القلب، فلن يحصل الإنسان على أيّة نتيجة. وها أنا أقولها لكم بكلّ صراحة وبساطة ومِن دون أيّ تكلّف؛ فإن أراد أحدهم التّتلمذ على يد رجل ما، وهو يحمل في ذهنه أمورًا يعتبرها أصلًا أساسيّا وأنّها مِنَ المسلّمات بحيث لا يمكنه أن يتجاوزها، [لن يجني مِنْ تتلمذه هذا أيّة ثمرة]. على أنَّ كلّ واحد منَّا يمتلك بعض المعلومات والتجارب الشخصيّة والمدّخرات الفكريّة، وهذا مما لا شكّ فيه، ولكن يجب أن يترك دومًا في ذهنه وقلبه احتمال وجود خطإ في معلوماته تلك، وإلّا لا يمكن للمرء أن يعتقد بصحّة معلوماته ويماشي أستاذه فيما لا يتقاطع مع مدّخراته الذهنيّة، فلذا عندما يطرح الأستاذ ما يتعارض مع مدّخراته الذهنيّة، تراه – قبل التفكير في الأمر – يقوم بالاحتجاج والمواجهة واتّخاذ موقف مضادّ مِنَ الأستاذ. هذا هو الخطأ بعينه، فالسبب الرئيسيّ والمنشأ في بروز جميع الأمور الباطلة والانحرافات هو عدم قابليّة التلميذ لسماع ما يخالف مدّخراته الفكريّة.
