
الوحي واتّباع الحقّ
معنى قول عنوان البصريّ (ففرّغتُ قلبي له) ج۳
كشف سماحة السيّد الطهراني (قدّس الله روحه) في هذه المحاضرة اللثام عن مسألة الوحي مُبيّنًا أنّ المناط فيه هو القلب المُفرّغ، فذهب عميقًا في بيان هذه العلاقة، مستهلًّا الكلام بقاعدة أنّ المدار في التوحيد هو الحقّ وحسب. ومِنْ جملة ما تضمّنته المحاضرة أن فعل الله هو عين الحقّ لا أنّه ينطبق على الحقّ كما هو الحال معنا. ثمّ بسط الكلام تحت العناوين الفرعيّة التالية؛ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوْحَى إِلَيَّ – كيف بلغ رسول الله مقام يُوْحَى إِلَيَّ – وليّ الدين والقائم بأمره هو الحجّة ابن الحسن وحسب – سيكون في آخر الزمان أقوام متعمّقون – لكلّ مقام مقال وحال يجب مراعاتهما – لِوجودنا بطون وحقائق متداخلة – حصل للنبيّ هذا التجلّي والوحي لأنّه فرّغ قلبه.
الوحي واتّباع الحقّ
17كنتُ أشاهد رأي العين نظير هذا الشيء في عهد المرحوم العلّامة، فقد كان القلق يظهر على وجوه بعض تلامذته – مِمَّن تسلّموا برامج سلوكيّة منه – عندما كان يتحدّث عن موضوع ما، وذلك خشية أن يمسّهم بكلمة أثناء ذلك الحديث. نعم، لقد كان القلق بائنًا على وجوههم، كما أنّ البعض منهم كان يصرّح عن قلقه هذا. فتراهم بعد انتهاء المجلس والخروج منه [يتنفسون الصعداء] قائلين: الحمد لله على أنَّ كلام العلّامة لم يشملنا. ولعلّنا مثلهم في هذا الأمر.
لماذا تجري الأمور بهذا الشكل، فهل أراد العظماء بأحدهم شرًّا أو كانوا يرغبون في إيذائهم، أم أرادوهم أن يفرّغوا قلوبهم مِنْ عُقدها؟ ما كان يطرحه العظماء هي أمور واقعيّة لا بدّ مِن طرحها، فإن كنتَ تملك الاستعداد لقبولها كان عليك قبولها، فلا يجوز لك عندئذ أن تقول يوم القيامة: لماذا لم ينبّهني السيِّد الطهرانيّ على كذا – أنا أقصد المرحوم العلّامة والعظماء في هذا لا نفسي فحالي معلوم لا يحتاج أن أصرّح عنه – نعم، لا يحقّ لك أن تقول يوم القيامة: لماذا لم تخبرني بهذا الأمر، فلعلّني غيّرتُ مسيري واتّخذت مسيرًا آخر، ولعلّني عملتُ بغير ما كنتُ أعمل به.
كثيرًا ما كان يحصل .. لقد تأخّر الوقت الآن، ولم يعد لدينا وقت كاف لإدامة الحديث في هذا الموضوع، كما أنَّ حالي لا يساعدني أكثر مِن ذلك. وسأقول لكم بصراحةٍ، أنَّني لم أكن أنوي الحديث عن هذا الموضوع، بل كنتُ أنوي الحديث عن مواضيع أخرى، غير أنَّ الحديث انجرَّ إلى هذا بشكل تلقائيّ، لذا سألبّي طلب الإخوة وعلى ما وعدتهم به سابقًا في المجلس القادم إن شاء الله. وكلّ حديث يأتي بنفسه فمرحبًا به، وأنا لست مقيّدًا معكم بحديث ذي طابعٍ رسميٍّ، على أن مثل هذه المواضيع [الّتي نطرحها] قد تكون ضروريّةً.
عندما كان المرحوم العلّامة يتحدّث عن موضوع ما، كنتُ ألمس ما كان يشعر به مِنْ مسؤوليّة تدعوه لأن يطرح مثل تلك المواضيع. فمَن يقبل بمسؤوليّة تربية التلاميذ لا يستطيع أن يسكت عمّا يراه فضلًا عمّا يعلمه؛ فهو لا يستطيع أن يغضّ الطرف عمّا كان يراه، ولا يمكنه التغاضي عن المخاطر والمهلكات الّتي تعترض طريقهم. فما الّذي كان عليه أن يفعله والحال هذه؟ [لا شكّ] أنَّ عليه أن يُنبّههم على ذلك؛ بالرغم أنّه لو قالها لهم بلهجة صريحة ما كانوا سيقبلون منه، وإن طرحها بشكلِ موضوعٍ عامّ وقصدهم بالكلام سيؤوّلونه بأنَّه موجّه إلى غيرهم، [غير أنّه مُلزم بتنبيههم على كلّ حال، لأنّه] أمر مهمّ لا أمر عاديّ. نعم، إنَّها مسألة حياة أو موت، فهي ممّا يترتّب عليها ألف عاقبة وعاقبة، فليس الأمر عاديًّا مِنْ قبيل شراء كيلوغرام مِنَ الخُضار، فإن وجدها فاسدة يستطيع أن يُلقيها في سلّة المهملات ويشتري عوضًا عنها، بل هي مسألة موت وحياة، ومسألة دنيا وآخرة، ومسألة ضلال وسعادة. فلَمَّا كان الأمر بهذه الأهميّة، فهل يستطيع الأستاذ أن يجلس متفرّجًا على ما يجري مِنْ حوله بحجّة الجوّ الحاكم ولكون الأمور تجري بتلك الكيفيّة؟! هل يمكنه أن لا يكون مباليًا ويدع الأمور تسير على ما هي عليه؟! فلو كان الأمر كذلك، لَتمكّن الجميع مِن فعل ذلك، وبالتالي ماذا سيكون الفرق بينه وبين الآخرين، ولِمَ يتحمّل هو هذه المسؤوليّة دونهم؟! لذا نرى هنا كيف تقتضي المسؤوليّة الإلهيّة الملقاة على عاتق هذا النوع مِنَ الناس أن يقوم ببيان الأمور للآخرين.
