
الوحي واتّباع الحقّ
معنى قول عنوان البصريّ (ففرّغتُ قلبي له) ج۳
كشف سماحة السيّد الطهراني (قدّس الله روحه) في هذه المحاضرة اللثام عن مسألة الوحي مُبيّنًا أنّ المناط فيه هو القلب المُفرّغ، فذهب عميقًا في بيان هذه العلاقة، مستهلًّا الكلام بقاعدة أنّ المدار في التوحيد هو الحقّ وحسب. ومِنْ جملة ما تضمّنته المحاضرة أن فعل الله هو عين الحقّ لا أنّه ينطبق على الحقّ كما هو الحال معنا. ثمّ بسط الكلام تحت العناوين الفرعيّة التالية؛ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوْحَى إِلَيَّ – كيف بلغ رسول الله مقام يُوْحَى إِلَيَّ – وليّ الدين والقائم بأمره هو الحجّة ابن الحسن وحسب – سيكون في آخر الزمان أقوام متعمّقون – لكلّ مقام مقال وحال يجب مراعاتهما – لِوجودنا بطون وحقائق متداخلة – حصل للنبيّ هذا التجلّي والوحي لأنّه فرّغ قلبه.
الوحي واتّباع الحقّ
16بناءً على هذا، فالوحي الّذي ينزل على رسول الله بالقرآن، هو عبارة عن النبع الّذي ينبع مِنْ داخل وجود الرسول، غير أنَّه ينبع مِن ذلك الباطن المتّصل بالتجرّد والتوحيد. وهذه هي النقطة المغفول عنها، وهذه الغفلة هي الّتي تتسبّب بكلّ هذا الخراب الّذي نشاهده. فهذه الحقيقة المجرّدة الموجودة في باطن رسول الله تَبرز في عالَم الظاهر في نفس الرسول وعلى لسانه.
عندما يجلس الرسول ويتكلّم مع هذا وذاك، لا يعتبر هذا الكلام وحيًا طبعًا. فالرسول يتحدّث ويروي لأصحابه الحكايات ويأمر وينهي، فلو قمتَ بجمْع كلمات الرسول – مِنْ غير القرآن – وقارنتها بالقرآن، فهل ستكون على نفس الشاكلة، هل أمر الرسول للإمام عَلِيّ أن قُم بهذا العمل يا علِيّ، يشبه ما في الآيات القرآنيّة؟ إنَّ للآيات القرآنيّة معانٍ خاصّة بها، ولهذه المواضيع الظاهريّة معانيها الخاصّة بها أيضًا، وإن كان مصدرها جميعًا هو عالَم القدس والطهارة، غير أنَّ كيفيّة ظهورها مختلفة، فشدّة وحدّة التجرّد المعنويّ يجعل مِنْ إحداها وحيًا ومِنَ الأخرى كلام حقٍّ غير أنَّه ليس مِنْ قبيل الوحي. فلا بأس أن يكون كلامٌ ما كلامَ حقٍّ وصحيحًا وهو ليس بوحيٍ، وذلك لأنَّ هذا الاختلاف ناشئ عن التفاوت في مراتب تجلّي الوحي سعةً وضيقًا، قوةً وضعفًا، شدّةً ولينًا.
حصل للنبيّ هذا التجلّي والوحي لأنّه فرّغ قلبه
لماذا يحصل هذا التجلّي لرسول الله؟ إنَّه يحصل له لأنّه كان قد فرّغ قلبه. فعندما نزلت الآية {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما}۱، كان أوّل مَنْ أجرى هذا الحكم هو رسول الله، وذلك على امرأة مِنْ عشيرته كانت قد سرقت. هكذا يكون النبيّ، فهو لم يحاول أن يجد لها التبريرات بشكل أو بآخر، كأن يقول: إنَّها لم تكن تعلم أو أنَّ النوم كان غالبًا عليها عندما فعلت ذلك. وهو ما يجري [عند باقي الناس] حين لا يريدون تنفيذ الحكم، فهم يجدون للسارق ألف تبرير وتبرير لفعلته. [ولكنّ النبيّ لم يفعل ذلك] بل قام بحفظ آية {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما} في نفسه عندما نزلت عليه، أي أنَّه لَمَّا كان لا بدّ مِن تطبيق هذا الحكم الشرعيّ وهذه الحقيقة التشريعيّة الإلهيّة المتعلّقة بموضوع السرقة في المجتمع، فلا مفرّ حينئذ مِنْ تطبيقها بحقّ أيّ كان مِنَ الناس. أمّا نحن فلسنا كذلك، إذ عندما يجري بيانٌ لحكم مِنَ الأحكام لا نفرّغ قلوبنا له، بل نحتفظ في قلوبنا بشيء لأنفسنا، فعندما يُطرح موضوع ما تجدنا نراوغ يمينًا وشمالًا لكي لا يمسّنا ذلك الموضوع.
- سورة المائدة (٥)، جزء من الآية ٣۸.
