
الوحي واتّباع الحقّ
معنى قول عنوان البصريّ (ففرّغتُ قلبي له) ج۳
كشف سماحة السيّد الطهراني (قدّس الله روحه) في هذه المحاضرة اللثام عن مسألة الوحي مُبيّنًا أنّ المناط فيه هو القلب المُفرّغ، فذهب عميقًا في بيان هذه العلاقة، مستهلًّا الكلام بقاعدة أنّ المدار في التوحيد هو الحقّ وحسب. ومِنْ جملة ما تضمّنته المحاضرة أن فعل الله هو عين الحقّ لا أنّه ينطبق على الحقّ كما هو الحال معنا. ثمّ بسط الكلام تحت العناوين الفرعيّة التالية؛ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوْحَى إِلَيَّ – كيف بلغ رسول الله مقام يُوْحَى إِلَيَّ – وليّ الدين والقائم بأمره هو الحجّة ابن الحسن وحسب – سيكون في آخر الزمان أقوام متعمّقون – لكلّ مقام مقال وحال يجب مراعاتهما – لِوجودنا بطون وحقائق متداخلة – حصل للنبيّ هذا التجلّي والوحي لأنّه فرّغ قلبه.
الوحي واتّباع الحقّ
15لِوجودنا بطون وحقائق متداخلة
إنَّ لوجودنا بطون وحقائق متداخلة، فوجودنا عبارة عن وجود مستمرّ متواصل تتصل إحدى نقاطه بعالَم الكثرة وما يُدرك فيها، وتتصّل نقطة أخرى منه بعالَم الوحدة وما يُدرك في عالَم التجرّد والوحدة هذا، ويوجد بين هاتين النقطتين آلاف العوالِم.
كان المرحوم السيِّد الحدّاد يقول: يحصل أن تُفتح عيني على إحدى العوالِم أحيانًا – ولم يكن يفصّل أكثر مِنْ ذلك – وما أن أُحاول التعرّف على هذا العالَم حتّى أرى نفسي قد اجتازت عدّة عوالِم – وهو أمر يحصل في ثوانٍ معدودة – بحيث يزول عني ذلك العالَم، فما إن أحاول أن أرى ما الّذي يجري فيه وما فيه مِنْ حقائقٍ ومعانٍ وأيّ عِلم قد أُضيف إليَّ وأيّ جهل قد رُفع عنِّي، إلّا وأجد عوالم متعدّدة أخرى قد مرّت علَيّ، وهي عوالم يحتاج السير في كلٍّ منها والتفكير بشأنها لسنوات عديدة .. أتلاحظون.
فهل مِنَ الصحيح أن تركّز نظرك فقط على عبارة {إنَّمَآ أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ}۱، أم عليك أن تنظر أيضًا إلى{ يُوْحَى إِلَيَّ}٢، حيث تُطأطِئ رأسك عندها. فالرجل الّذي يشرح أكثر المواضيع عُمقًا، هو نفسه الّذي كان يلعب مع ابنه ذي السنوات الثلاث، والّذي كان يظهر بمظاهر متعدّدة [تتناسب مع أعمار أهل بيته] في الليلة الماضية، أمّا اليوم فهو يظهر بمظهر مختلف، ولكلّ مظهر مِنْ هذه المظاهر زمانه الّذي يصحّ فيه؛ فإحدى تلك المظاهر عبارة عن مقام تجلّي المشاعر والعواطف عندما يكون مع عائلته، أمّا عندما يتواجد في المدرسة الدينيّة أو الجامعة أو أحد المجامع العلميّة سيتجّلى مقام العلم، هذا مع كون الرجل هو نفسه، فلم يكونا رجلين. هذا هو معنى تداخل المقامات.
إن جاز يمكننا تشبيه الوحي الّذي ينزل على قلب رسول الله، بالمواضيع والبحوث الّتي يلقيها الأستاذ في الدرس، فما يلقيه الأستاذ الآن في الدرس لا علاقة له بذلك الكلام الّذي تكلّم به مع ابنه ذي السنوات الثلاث، فقد كان التجلّي بذلك الشكل في الليلة الماضية، وهو بشكل آخر في هذا اليوم، وسيكون بشكل ثالث حين العبادة، فما يدركه [مِنْ تجلٍّ] في موضع العبادة لا يمكنه أن يبيّنه حتّى للفلاسفة والفقهاء والعلماء إذ ليس لهم القدرة على إدراكه. على أنَّ جميع هذه المظاهر هي عبارة عن شيء واحد، فهي عبارة عن وجود واحد له مراتب متفاوتة؛ ألَا نشاهد التغيير الّذي يحصل في العوالم عند تجلّي الذات في عالم الأسماء والصفات .. ألَا تتفاوت حقائق عوالم الجبروت مع حقائق عوالم اللاهوت .. ألَا تتفاوت حقائق عوالم اللاهوت مع حقائق عالم الملكوت الأعلى .. وهكذا مع عالَم الملكوت الأسفل حتّى نصل إلى عالَم المثال. ونحن نعلم جميعًا ما يجري في عالَم المثال، وهو الرؤيا الّتي نشاهدها في المنام، والّتي هي أمور واقعيّة، فقد نقوم بعمل ما في النهار، فنشاهد حقيقته متجسّدة في المنام، فكيف حصل ذلك، فلم يكن ذلك مِنْ قبيل السحر والشعوذة. وهكذا الأمر في المكاشفات، كالمكاشفات الصوريّة والمكاشفات المعنويّة والروحانيّة الّتي تحصل في درجة أعلى لأولياء الله.
- سورة الكهف (۱۸)، جزء الآية ۱۱۰. وسورة فصّلت (٤۱)، جزء الآية ٦.
- المصدر نفسه.
