
الوحي واتّباع الحقّ
معنى قول عنوان البصريّ (ففرّغتُ قلبي له) ج۳
كشف سماحة السيّد الطهراني (قدّس الله روحه) في هذه المحاضرة اللثام عن مسألة الوحي مُبيّنًا أنّ المناط فيه هو القلب المُفرّغ، فذهب عميقًا في بيان هذه العلاقة، مستهلًّا الكلام بقاعدة أنّ المدار في التوحيد هو الحقّ وحسب. ومِنْ جملة ما تضمّنته المحاضرة أن فعل الله هو عين الحقّ لا أنّه ينطبق على الحقّ كما هو الحال معنا. ثمّ بسط الكلام تحت العناوين الفرعيّة التالية؛ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوْحَى إِلَيَّ – كيف بلغ رسول الله مقام يُوْحَى إِلَيَّ – وليّ الدين والقائم بأمره هو الحجّة ابن الحسن وحسب – سيكون في آخر الزمان أقوام متعمّقون – لكلّ مقام مقال وحال يجب مراعاتهما – لِوجودنا بطون وحقائق متداخلة – حصل للنبيّ هذا التجلّي والوحي لأنّه فرّغ قلبه.
الوحي واتّباع الحقّ
13[ولنعد إلى ذلك العالم ذو الأولاد الثلاثة الّذي ضربناه مثلًا]، فلو تحدّث مع عائلته بعد عودته إلى المنزل بكلمات العظماء والأولياء الإلهيّين، فما الّذي سيقوله لذلك الطفل ذي السنوات الثلاث، هل سيشرح له قاعدة (لا يصدر عن الواحد إلّا الواحد) أو (المُثُل الأفلاطونيّة)؟! لو فعل ذلك، لنظر إليه الطفل بتعجّب وقال له: ما الّذي جرى لك يا أبي؟!
نعم، لو فعل هذا سيكون أمره كأمر تلك الحكاية المنقولة عن الملّا نصر الدين، الّذي رأى يومًا قرويًّا يحمل على حماره حطبًا، فقال له: بكم درهم تبيع الرطل الشرعيّ مِن هذا الحطب المصفّف على الحمار الأسود؟ فالتفت إليه القرويّ قائلًا: إن كنت تريد شراء الحطب، فأنا أبيع المَنَّ منه بثلاثة قروش – مثلًا – وإن كنت تريد أن تقرأ دعاءً فدونك المسجد حيث تستطيع أن تقرأ فيه ما شئتَ مِنَ الدعاء۱.٢
فعندما يدخل المجتهد أو أستاذ الجامعة أو المُفكِّر أو الفيلسوف، إلى بيته، عليه أن يتنزّل عن ذلك الأفق الّذي هو فيه، ويجعل مِنْ نفسه طفلًا بعمر ثلاث سنوات، لكي يتمكّن مِنَ اللعب مع الطفل بألعابه، كأن يُغلق يديه ويقول للطفل: ماذا في يديَّ الآن. لماذا؟ لأنَّ الطفل لا يفهم غير ذلك، فإن لم تلعب معه بهذه الطريقة ستكون قد ارتكبت خطأً، ولم توفِ الطفل حقّه. فالطفل ذي الثلاث سنوات يتوقّع منك أن تلعب معه بما يتلاءم مع مستواه، وهو يريد منك أن تعطيه حقّه. فما دمت أبوه، يجب عليك وفقًا لقواعد التربية الصحيحة والقواعد التكوينيّة أن تجاريه. ولكن كيف [ينبغي أن] تكون هذه المجاراة، فهل تكون بأن تُلقي عليه درسًا فلسفيًّا؟! كلّا، بل عليك أن تتنزّل إلى مستواه، فتحكي له قصّة يحبّها كقصص الحيوانات وأمثالها، وأن تلعب معه، وأن تشتري له سيّارة فتشحنها وتتركها تسير [أمامه]. نعم يجب عليك أن تقوم بهذا، لأنَّ هذا ما يتوقعه الطفل منك، فلسان حاله يقول: أنا طفل ذو ثلاث سنوات، أحبّك يا أبي بكلّ صفاء ونقاء وإخلاص، فبأيّ شيء ستعوّضني عن حبِّي هذا؟ فكيف ستجيب هذا الصفاء والنقاء والصدق، [أمِنَ الصحيح حينئذ أن يقول له:] انصرف عنِّي، لستُ بمزاجٍ مناسبٍ لألعب معك اليوم، اذهب والعب مع أمّك أو أخيك الّذي في سنّك؟ [فلو فعلت ذلك] لحصلت للطفل صدمة، لأنّك واجهته بما لم يتوقّعه منك، وهو تصرّف باطل سيسدّ الطريق أمامك، فعندما تنهض للصلاة ليلًا ستلاحظ أنّك تفتقد الحالة المناسبة للصلاة. نعم، هكذا هو الأمر، وهو منطقيّ وبديهيّ .. علينا مسؤوليّة أمام الله تجاه هذا الطفل، ويجب أن نجيب الله عن تلك المسؤوليّة. كما علينا مسؤوليّة تجاه كلّ فرد مِنْ أفراد الأسرة، كلٌّ بحسب حاله.
- الملّا نصر الدين، شخصيّة هزليّة ساخرة كشخصيّة (جحا) عند العرب، ويُنقل عنها مِنَ الحكايات مثيل ما يُنقل عن شخصيّة (جحا). ولَمَّا كان الملّا نصر الدين قد تكلّم مع القرويّ بمصطلحات شرعيّة غير مفهومة أجابه القرويّ بذلك الجواب. [المترجم]
- المنّ والرطل، كلاهما معيار قديم يُكال به او يوزن. (م)
