
الوحي واتّباع الحقّ
معنى قول عنوان البصريّ (ففرّغتُ قلبي له) ج۳
كشف سماحة السيّد الطهراني (قدّس الله روحه) في هذه المحاضرة اللثام عن مسألة الوحي مُبيّنًا أنّ المناط فيه هو القلب المُفرّغ، فذهب عميقًا في بيان هذه العلاقة، مستهلًّا الكلام بقاعدة أنّ المدار في التوحيد هو الحقّ وحسب. ومِنْ جملة ما تضمّنته المحاضرة أن فعل الله هو عين الحقّ لا أنّه ينطبق على الحقّ كما هو الحال معنا. ثمّ بسط الكلام تحت العناوين الفرعيّة التالية؛ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوْحَى إِلَيَّ – كيف بلغ رسول الله مقام يُوْحَى إِلَيَّ – وليّ الدين والقائم بأمره هو الحجّة ابن الحسن وحسب – سيكون في آخر الزمان أقوام متعمّقون – لكلّ مقام مقال وحال يجب مراعاتهما – لِوجودنا بطون وحقائق متداخلة – حصل للنبيّ هذا التجلّي والوحي لأنّه فرّغ قلبه.
الوحي واتّباع الحقّ
11أترون كيف ظهرت الابتسامات على وجوه الكثير مِنَ الحاضرين عندما ذكرتُ هذا الموضوع، وهو أمر مُضحك حقًّا، فعندما يُبتلى هذا المرجع بمرض معيّن ويرقد في المستشفى فإنّ أوّل إجراء [طبيّ يفعلونه] معه هو أن يعلّقوا له كيسًا مِنَ الدم، فما الّذي سيحصل حينئذ [هل] سيُفضّل الموت بدلًا مِنْ تعليق الدم؟! ألم يكن هذا هو رأيك، فماذا الّذي تغيَّر الآن [حتّى ترضى بأن يُعلَّق لك كيس دم]؟!
هذا ما يُسمّى بالعلم البشريّ. وإنَّه لأمر واهٍ وباطل أن يُقال بحرمة التشريح، فمَنْ يستطيع أن يقول بحرمته! إذ لولا التشريح لأَغلق علمُ الطبّ أبوابّه. [وعلينا أن نسأل مَنْ يعتقد بمثل هذا] هل يستطيع أن يستعيض عن ذلك بمعجزة مثلًا، كمعجزة عصا موسى ويده البيضاء؟! [طبعًا لا، وعليه] يجب أن نبني أمورنا في الحياة على أساس هذه العلوم وهذه القدرات والمعلومات. إذ كيف يمكن التشكيك في مثل هذه الأمور البديهيّة! على أنَّنا لا نستطيع لوم مَنْ قال بهذا الشيء، لأنّه ليس مقصّرًا، فهو قد بنى قوله على ما أعانه عليه عقله. فعدم التقدير الصحيح للوضع الحاليّ للمجتمع ومتطلّباته الضروريّة الحاكمة، وعدم إدراك أهميّة هذا الأمر، جعله يُفتي بحرمة التشريح وحرمة التعامل بالدم وحرمة الكثير مِنَ الأمور الّتي تُعدّ اليوم مِنَ الضروريّات البديهيّة للمجتمع.
هكذا هو العلم البشريّ. فهل القرآن بهذا الشكل أيضًا، وهل الوحي الإلهيّ مثل هذه الفتاوى الّتي تصدر اليوم وتتبدّل غدًا؟! على أنَّه مِنَ الطبيعيّ أن يحصل هذا التبدّل، لأنّنا لا نشبه إمام الزمان في هذا وليس مطلوب منّا ذلك. فالله يكلّف كلّ واحد منَّا بمقدار ما يمنحه مِن سعة وجوديّة. كما أنَّ لموضوع التقليد مكانته الخاصّة به، فعلى كلّ واحدٍ أن يقلّد المجتهد الأعلم. علماً أنَّ المواصفات الّتي يجب أن يمتلكها الأعلم هو موضوع آخر سأتحدّث عنه – إن وفّقني الله ولم يحصل بداء – في المستقبل القريب، وسيعلم الإخوة عندها أنَّ الموضوع ليس بتلك السهولة الّتي يتصوّرونها، فلا يصحّ تقليد أيٍّ كان ومتابعته، ولا يصحّ العمل بموجب أيّ شيء يجده مكتوبًا. كلّا، بل الأمر يتطلّب المزيد مِنَ الدقّة والتأنِّي.
