
الشعور بالفقر والجهل
شرح قول عنوان البصريّ (ففرّغتُ قلبي له) – ج4
يسترسل سماحة السيّد في المحاضرة الرابعة على التوالي فيما حدّثَ عنوان نفسه به قائلًا « ففرّغت قلبي له» ، استرسال الحكيم المتبحّر في بيان بعض آخر مِن رشوحات تفريغ القلب، والّتي يمكن تلخيصها تحت العناوين التالية: «ففرّغت قلبي له» يعني الشعور بالفقر والجهل – السالك لا يحتفظ بشيء لنفسه – الارتباط الظاهريّ ليس ملاك التتلمُذ – مَن أفرغ قلبه يبحث عن الحقّ أينما وُجِد – إصلاح الخطأ فضيلة والإصرار عليه حُجب – المُحكم والمُتشابه في الآيات القرآنيّة والحياة العمليّة – يكون الفضل في تحمّل المسؤوليّة لا الجلوس في صندوق مقفل – لكلٍّ شأنه وتوفيقه.
الشعور بالفقر والجهل
الوصف:
يسترسل سماحة السيّد في المحاضرة الرابعة على التوالي فيما حدّثَ عنوان نفسه به قائلًا « ففرّغت قلبي له» ، استرسال الحكيم المتبحّر في بيان بعض آخر مِن رشوحات تفريغ القلب، والّتي يمكن تلخيصها تحت العناوين التالية: «ففرّغت قلبي له» يعني الشعور بالفقر والجهل – السالك لا يحتفظ بشيء لنفسه – الارتباط الظاهريّ ليس ملاك التتلمُذ – مَن أفرغ قلبه يبحث عن الحقّ أينما وُجِد – إصلاح الخطأ فضيلة والإصرار عليه حُجب – المُحكم والمُتشابه في الآيات القرآنيّة والحياة العمليّة – يكون الفضل في تحمّل المسؤوليّة لا الجلوس في صندوق مقفل – لكلٍّ شأنه وتوفيقه.
الشعور بالفقر والجهل
8فانزعج الرجل الثاني في بادئ الأمر، وكان ذلك ظاهر عليه إذ احمرّ لون وجهه واصفرّ، غير أنَّ قبوله للأمر كان ظاهرًا على وجنتيه، فقد قبِل التوبيخ الّذي كان بهدف التربية، واستقبل تلك الوخزة بكامل وجوده، فحصل في النهاية على درجة جيّدة في الامتحان. أمّا الرجل الأوّل فما كان يُخطط للقيام به كان واضحًا على قسمات وجهه، فأخذ يجول في نفسه ويغوص في التفكير .. وبكلمة واحدة انتهى جميع ما كان يُرجى مِن تردّده على بيت المرحوم المطهّري خلال السنة أو السنتين الأخيرتين. فكلّ ما حصل خلال تلكما السنتين، كان مِن أجل أن يحدث ما حدث هذا اليوم.
فقد كان يُؤمر بالذهاب إلى هناك والتحدّث والقيام ببعض الأعمال، ولم يكن عبد الله هذا قد لاحظ أنَّ مَن أمره بتلك الأعمال هو نفسه مَن قال له اليوم هذا الكلام. فلِمَ لم تحسب لهذا اليوم حسابه عندما كنتَ تفعل كلّ ذلك؟! ولماذا جعلتَ نفسك تنتفخ وتکبر إلى حدّ لم تستطع معه الخروج مِن هذا الباب؟! فلو كنتَ قد حسبت لمثل هذا اليوم حسابه لَتَصرّفتَ باعتدال، ولَمَا زادك ذاك الذهاب شيئًا، ولم يكن ليُضيف إلى مكانتك النفسيّة أيّة إضافة، بل كان ذلك سيعمل على رقيّك وتكاملك إذا ما تزامن مع التربية ومجاهدة النفس. لقد كان تصرّف المرحوم العلّامة هذا عجيبًا بالنسبة إلى المرحوم مطهّري، ولكنّه لم يكن تصرّفًا مستبعدًا لأنّ المرحوم مطهّري كان يعرف المرحوم العلّامة جيّدًا.
وبعد عدّة دقائق ممّا حصل، نهضنا وخرجنا مِنَ المجلس، وما إن جلسنا في السيّارة حتّى بدأ الرجل بالكلام. فبدل أن يتقبّل ما حصل ويطرق رأسه إلى الأرض ويسكت – إذ ما دمتَ قد تلقيت ما تلقيت، كان عليك أن تخفض رأسك وتسكت يا هذا – أخذ بالكلام فقال: لقد ضعفتْ ذاكرتي منذ مدّة فلم أعد أستطيع معرفة الأيّام جيّدًا .. ما الّذي يعنيه هذا الكلام؟ إنَّه اللفّ والدوران، وهو يعلم أنَّه بعمله هذا يخرّب الوضع أكثر فأكثر .. فبحضور مَن تقول مثل هذا الكلام يا هذا، ومِن أجل مَن تريد أن تبرّر ما قمتَ به، أتفعل هذا مِن أجلي؟! إن كنتَ تفعل ذلك مِن أجل التمويه علَيَّ فأنا أعرفك جيّدًا، وإن كنتَ تفعله مِن أجل ذلك الّذي يجلس الآن على الكرسيّ الخلفيّ للسيّارة فهو يعرف كلّ شيء عنك، فلديه عِلم عن بدايتك ونهايتك ووسطك وأعلاك وأسفلك .. فهل تبرّر له فعلتك بمثل قولك هذا: لقد ضعفت ذاكرتي منذ مدّة فأصبحتُ أخلط بين الخميس والجمعة – فما الضير في أن يُخطأ الإنسان في مثل هذه الأشياءأحيانًا – كما صِرت أخلط بين يوم السبت وغيره، ويحصل لي أحيانًا أن أتفق على موعدٍ وأذهب إليه في يوم آخر!! فأخذ يتكلّم ويتكلّم، وكان المرحوم العلّامة يستمع إليه ويكتفي بالتبسّم مِن دون أن ينطق بحرفٍ واحدٍ. فكان الرجل يتكلّم عسى أن تأتيه كلمة مِن الرجل الجالس في المقعد الخلفيّ تأييدًا لكلامه، إذ كنتُ وذلك الرجل نجلس على المقاعد الأماميّة للسيّارة [والعلّامة في الخلف]، ولكن كان المرحوم العلّامة يبتسم للهيكل والقيافة المباركة للرجل. ثمّ إلى ماذا آل الأمر؟! فقد اتّضحت هنا حقيقة تلك العلاقة.
