
الشعور بالفقر والجهل
شرح قول عنوان البصريّ (ففرّغتُ قلبي له) – ج4
يسترسل سماحة السيّد في المحاضرة الرابعة على التوالي فيما حدّثَ عنوان نفسه به قائلًا « ففرّغت قلبي له» ، استرسال الحكيم المتبحّر في بيان بعض آخر مِن رشوحات تفريغ القلب، والّتي يمكن تلخيصها تحت العناوين التالية: «ففرّغت قلبي له» يعني الشعور بالفقر والجهل – السالك لا يحتفظ بشيء لنفسه – الارتباط الظاهريّ ليس ملاك التتلمُذ – مَن أفرغ قلبه يبحث عن الحقّ أينما وُجِد – إصلاح الخطأ فضيلة والإصرار عليه حُجب – المُحكم والمُتشابه في الآيات القرآنيّة والحياة العمليّة – يكون الفضل في تحمّل المسؤوليّة لا الجلوس في صندوق مقفل – لكلٍّ شأنه وتوفيقه.
الشعور بالفقر والجهل
الوصف:
يسترسل سماحة السيّد في المحاضرة الرابعة على التوالي فيما حدّثَ عنوان نفسه به قائلًا « ففرّغت قلبي له» ، استرسال الحكيم المتبحّر في بيان بعض آخر مِن رشوحات تفريغ القلب، والّتي يمكن تلخيصها تحت العناوين التالية: «ففرّغت قلبي له» يعني الشعور بالفقر والجهل – السالك لا يحتفظ بشيء لنفسه – الارتباط الظاهريّ ليس ملاك التتلمُذ – مَن أفرغ قلبه يبحث عن الحقّ أينما وُجِد – إصلاح الخطأ فضيلة والإصرار عليه حُجب – المُحكم والمُتشابه في الآيات القرآنيّة والحياة العمليّة – يكون الفضل في تحمّل المسؤوليّة لا الجلوس في صندوق مقفل – لكلٍّ شأنه وتوفيقه.
الشعور بالفقر والجهل
2أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم محمّد
وعلى آله الطيّبين الطاهرين واللعن على أعدائِهم أجمعين إلى يوم الدين
ذكرتُ للإخوة أنَّ الإمام الصادق عليه السلام قال لعنوان «أوصيكَ بِتسعَة أشياء، فإنَّها وَصيّتي لمريدي الطريق إلى الله». ولم ينته الحديث عن هذا الموضوع بعدُ، ولكن استوقفتنا في عدد مِنَ الجلسات السابقة عبارة قالها عنوان وهي: «ففرّغت قلبي له»، وذلك بسبب أهميّها. فعندما قال الإمام عليه السلام «فإنَّها وصيّتي لمريدي الطريق إلى الله»، لم يتأمّل عنوان في كلام الإمام ليرى إن كانت تلك الوصايا – الّتي يريد الإمام أن يوصيه بها – ستتلاءم مع ذوقه ومزاجه أم لا، بل قال: «ففرّغت قلبي له»؛ وليس معلوم إن كان جميع ما يُؤمر به المرء أو يُنهى عنه سيتوافق مع ذوقه ومزاجه، ففي بعض الأوامر والنواهي مرارةٌ وألمٌ، وفي بعضها شدّةٌ وصرامةٌ، فلا يتوقّع الإنسان أن يُقابَل دائمًا بما يجعله مبتسمًا.
يقول عنوان «ففرّغت قلبي له». ما الّذي يعنيه هذا الكلام؟ إنَّه يعني: قد استغرقتُ في التفكير للحظة، لأرى كيف ستكون ردّة فعلي تجاه ما يريد الإمام قوله. نعم، هذا هو معنى عبارة عنوان. وعلينا نحن أن نتصرّف بهذا الشكل أيضًا؛ فهل حصل أن ذهب أحدنا يومًا إلى مختبرِ تحليلات مرضيّة وهو يقول في نفسه: لن أقبل نتيجة هذا التحليل مهما كانت، إذ لَستُ مقتنعًا بصحّة ما يُرى تحت الميكروسكوب وأمثاله؟! كلّا، لا يمكن أن يحصل هذا، لماذا؟ لأنَّه سيكون أمام نتائج قد أثبتت التجارب صحّتها، فلا معنى لقبوله أو رفضه لها. وهكذا هو الأمر عندما يتعامل المرء مع الوقائع الخارجيّة.
«ففرّغت قلبي له» يعني الشعور بالفقر والجهل
لقد مضت عدّة مجالس ونحن نتحدّث عن هذا الموضوع نظرًا لأهميّته، ووصل بنا الحديث إلى سبب حضور عنوان عند الإمام مِنَ الأساس، وما الّذي دعاه لأن يقول «ففرّغت قلبي له». والجواب على ذلك هو شعوره بالفقر والجهل والنقص، فلو كان عنوان يمتلك ما يمتلكه الإمام الصادق مِنْ معرفة، لَمَا حضر عنده، ولَمَا جاء ليطلب منه برنامجًا سلوكيًّا. فهل يمكن للإمام أن يُعطي نفسه برنامجًا سلوكيًّا، فيأمر نفسه بعمل وينهاها عن عمل آخر ! كلاّ، لا يمكن أن يحصل ذلك، لأنَّه إمام ولا مكان للجهل والفقر في نفس الإمام. على أنَّ الإمام يشعر بمطلق الفقر قِبال الله، ذلك الفقر الّذي لا يساويه فقرٌ، كما قال رسول الله «الفقر فخري»۱. فهذا الفقر يعني تلك الحقيقة الرابطة بين مقامَي المخلوقيّة والخالقيّة، وذلك الحبل الّذي يصِل بين مقامَي العبوديّة والربوبيّة، وتلك الحقيقة الّتي توضّح العلّاقة بين مقامَي المعلوليّة والعليّة.
- بحار الأنوار، الشيخ المجلسيّ، ج٦٩، ص ٢٢، ٣٤، ٥۱، ٥۷. (م)
