
الشعور بالفقر والجهل
شرح قول عنوان البصريّ (ففرّغتُ قلبي له) – ج4
يسترسل سماحة السيّد في المحاضرة الرابعة على التوالي فيما حدّثَ عنوان نفسه به قائلًا « ففرّغت قلبي له» ، استرسال الحكيم المتبحّر في بيان بعض آخر مِن رشوحات تفريغ القلب، والّتي يمكن تلخيصها تحت العناوين التالية: «ففرّغت قلبي له» يعني الشعور بالفقر والجهل – السالك لا يحتفظ بشيء لنفسه – الارتباط الظاهريّ ليس ملاك التتلمُذ – مَن أفرغ قلبه يبحث عن الحقّ أينما وُجِد – إصلاح الخطأ فضيلة والإصرار عليه حُجب – المُحكم والمُتشابه في الآيات القرآنيّة والحياة العمليّة – يكون الفضل في تحمّل المسؤوليّة لا الجلوس في صندوق مقفل – لكلٍّ شأنه وتوفيقه.
الشعور بالفقر والجهل
الوصف:
يسترسل سماحة السيّد في المحاضرة الرابعة على التوالي فيما حدّثَ عنوان نفسه به قائلًا « ففرّغت قلبي له» ، استرسال الحكيم المتبحّر في بيان بعض آخر مِن رشوحات تفريغ القلب، والّتي يمكن تلخيصها تحت العناوين التالية: «ففرّغت قلبي له» يعني الشعور بالفقر والجهل – السالك لا يحتفظ بشيء لنفسه – الارتباط الظاهريّ ليس ملاك التتلمُذ – مَن أفرغ قلبه يبحث عن الحقّ أينما وُجِد – إصلاح الخطأ فضيلة والإصرار عليه حُجب – المُحكم والمُتشابه في الآيات القرآنيّة والحياة العمليّة – يكون الفضل في تحمّل المسؤوليّة لا الجلوس في صندوق مقفل – لكلٍّ شأنه وتوفيقه.
الشعور بالفقر والجهل
17أمّا بالنسبة لنفس الآيات المتشابهات، فما هو معنى المتشابهات؟ هو يعني أنّه بإمكان كلّ واحد مِنَ الناس أن يفسّر الآية المتشابهة بما يصبُّ في مصلحته ويتلاءم مع الوضع الّذي هو عليه. فلنأخذ على سبيل المثال الآية الشريفة{أَطيعُوا اللَّهَ وَأَطيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}۱، فمعنى {أطيعوا الله} واضح وهو مِنَ المحكمات، وكذلك الأمر بالنسبة إلى {وأطيعوا الرسول}، فلدينا نبيّ واحد لا نبيّان، فلسنا كالبهائيّة الّذين أوجدوا لأنفسهم نبيّا [إضافيّا]. ولكن بالنسبة إلى جزء الآية القائلة {وأولي الأمر منكم}، فصحيح أنَّ معنى (أولي الأمر) واضح لدى الشيعة مِن خلال ما جاء في الروايات، غير أنَّ الآية القرآنيّة لم تصرّح مَن هم أُولي الأمر، ولهذا نرى الحجّاج بن يوسف الثقفيّ يضرب أعناق الناس قائلًا: أنتم مهدوروا الدم بموجب هذه الآية، إذ قد خالفتم أولي الأمر، وأنا مِنْ أولي الأمر. [بناء على هذا الادّعاء سيكون] وليّ الأمر هو كلّ مَن يأمر وينهى وبيده مقاليد الحكم، فمَن يحمل تلك المواصفات هو الحاكم، وبما أنَّكم قد خالفتم الحاكم الّذي طاعته واجبة، ومخالفته حرام بموجب هذه الآية، فيتعيّن – والحال هذه – هدر دم كلّ مَن يخالفني. كيف يتسنّى [ادّعاء وحصول] ذلك؟ لأنَّ هذه الآية هي واحدة مِنَ الآيات المتشابهات، وهذا ما يحتجّ به الكثير مِن أهل السنّة وغيرهم. فهذا الجزء مِنَ الآية وكذلك آيات أُخر تعتبر مِنَ الآيات المتشابهات.
{فَأَمَّا الَّذينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ}، فهنا سيحصل فصل بين طائفتين مِنَ الناس، هما المتّصلون وغيرهم؛ فمَن فرّغ قلبه فسيتّبع الآيات المحكمات، ومَن لم يُفرّغ قلبه واتخذ موقفًا مقابلًا للحقّ، واحتفظ لنفسه بمكانة ما – كأن يحتفظ لنفسه بثلاثين في المائة مِنَ المكانة الشخصيّة – فسيتّبع المتشابهات.
على الإخوة الانتباه إلى هذه المواضيع الّتي أطرحها عليهم الآن، فهي مواضيع حسّاسة جدًّا، وها قد وصلت إلى بيت القصيد في حديثي.
علينا أن نعلم هنا ما الّذي يعنيه السلوك. فلا تتصوّروا أيّها الإخوة أنَّ الموضوع متعلّق بزمان الحَجّاج [الثقفيّ] وأمثاله فقط، بل هو متعلّق بنا، وبيومنا هذا الّذي هو يوم الجمعة، وبهذا المجلس الّذي نحضره، وبي أنا المتكلّم شخصيًّا، فلا يتفاوت الأمر بيني وبينكم، فعلَيَّ أيضًا أن أراجع نفسي وأزن الأمور جيّدًا، لأجد التصرّف المناسب في المواقف الّتي أُواجهها، وعلَيَّ أن أقوم بتهيئة نفسي لذلك. فليس مِنَ الصحيح أن يضع الإنسان نفسه في صندوق ويغلق عليها، بل عليه أن يخرج ويتّصل بالناس ويختلط بأصنافهم ويتحدّث معهم، فهذا سيضعه – بدون أدنى شكّ – في مواجهة أمور مختلفة حيث سيحكم عليها بأحكام مختلفة، وهذا ممّا لا مفرّ منه. فالمهمّ بالنسبة للإنسان أن يقوم بتقييم وضعه، لا أن يعمل على إخفاء نفسه في صندوق مقفل. فالدخول في الصندوق وإقفال بابه هو هروب مِن تحمّل الواجب الملقى على عاتقه، وهذا لا يُعدُّ فضلًا بل يُعدُّ فرارًا مِن تحمّل المسؤوليّة.
- سورة النساء (٤)، جزء من الآية ٥٩.
