
النفس المُحكمة والنفس المتشابَهة
تناول قَدَّسَ الله سرَّه مواضيع نفيسة تتمحور حول تفريغ القلب وهي: كيفيّة التعامل مع الحقّ – الوحدة تبنى على الثوابت الحقّة لا على التنازل عنها – آثار تفريغ القلب للحقّ والباطل – آفّة الطريق ومَكمن الخطر في عدم تفريغ القلب للحقّ – النفس المحكمة والمتشابهة – نفس علِيّ هي نفس النبيّ الباقية بعده – مَن يوكّل نفسه إلى الله يهيّئ له اللهُ ما في مصلحته.
النفس المُحكمة والنفس المتشابَهة
21على الإنسان أن يتعمّق في هذا الأمر ويُدقّق فيه كثيرًا، فهو عندما يريد أن يطوي الطريق الّذي يرتضيه الله، ويوظّف كلّ وجوده وقلبه فيه، سيكون قلبه قلبًا مُحكمًا في مثل هذه الحالة. إنَّ القلب المُحكم هو القلب المستحكم الثابت الّذي لا يمكن أن ينزلق، نعم يكون مستحكمًا كاستحكام الصخرة المستقرّة على الأرض، فإن سمع مِن صديقه أمرًا فلا يتزلزل ممّا سمع.
إن كان هناك حجرٌ يزن عدة أطنان مستقرٌ على الأرض، فمَن يقدر على تحريكه، وأيّ ريح تستطيع أن تزحزحه مِن مكانه؟! إنَّ وزن بعض الأحجار كبيرٌ جدًّا، يستعملونها في بناء العمارات والقصور. كنتُ يومًا في مكان فرأيت حجرًا يزن ستمائة طنٍّ – حيث كانوا قد كتبوا وزنه عليه – وكان على شكلِ مكعّبٍ، فمَن يستطيع أن يحرّك مثل هذا الحجر، وهل يمكن أن يُطلب مِن شخصٍ أن يزحزحه ولو قليلًا إلى هذا الجانب؟!
إن حصلت أحداث وتحرّك المجتمع بأجمعه باتجاه، فهل يمكن [لصاحب القلب المُحكم] أن يتأثّر ويهتزّ لذلك؟ [أبدًا لا يمكن] لأنَّ قلبه مُحكم، فقد تسمع أُذنه شيئًا، أمّا قلبه فيسير باتجاه آخر، إنَّه ثابت في مكانه، فإن سمع بعض الشائعات فلا يُعيرها اهتمامًا وسيبقى واقفًا في مكانه بإحكام، حتّى إن بلغت تلك الشائعات عشرة أضعاف، فلن تؤثّر فيه شيئًا، وذلك لأنَّه كان قد سلّم قلبه لله، فمَن يُسلّم قلبه لله يُلقي اللهُ في قلبه [ما فيه مصلحته].
يقول المرحوم العلّامة: إنَّ بعض مَنْ كان له ارتباط بي في عهد النظام السابق، كان يقيّمني وفقًا لآرائه الخاصّة، ولم يكن قد فرّغ قلبه لي، لذا كنت أُماشيه بنفس ذلك المقدار، وعندما حصلت بعض الأحداث رأيت أنّ قلبه يميل للاشتراك فيها، فلم أر جدوى للتعامل معه بعد ذلك، ثمّ وصلتْ به الأمور إلى تلك النتيجة الّتي شاهدناها جميعًا. إنّها لمسألة أساسيّة أن يثبت هذا الأمر في النفس.
كنت أنوي أن أتحدّث اليوم – كما وعدت الإخوة – عن موضوع المُحكم والمتشابه، غير أنَّ أمورًا أخرى قد حصلت وأدّت إلى تأجيل ما أردتُ الحديث عنه، لذا سنكمل الحديث عن الموضوع – كوعدي لكم في المرات السابقة [هذا مزاح مِنْ سماحته] – في المجلس القادم إن شاء الله.
