
النفس المُحكمة والنفس المتشابَهة
تناول قَدَّسَ الله سرَّه مواضيع نفيسة تتمحور حول تفريغ القلب وهي: كيفيّة التعامل مع الحقّ – الوحدة تبنى على الثوابت الحقّة لا على التنازل عنها – آثار تفريغ القلب للحقّ والباطل – آفّة الطريق ومَكمن الخطر في عدم تفريغ القلب للحقّ – النفس المحكمة والمتشابهة – نفس علِيّ هي نفس النبيّ الباقية بعده – مَن يوكّل نفسه إلى الله يهيّئ له اللهُ ما في مصلحته.
النفس المُحكمة والنفس المتشابَهة
16إنَّ الله يُهيّئ للإنسان ما فيه مصلحته في كلّ ما يتعلّق بحياته اليوميّة ومعاشراته وكلّ ما يهمّه، لماذا؟ لأنَّه قد هذّب نفسه، ولهذا السبب كان المرحوم العلّامة يقول دائمًا: على الإنسان أن لا يحدّد وقتًا ليرتبط فيه بالله، كأن يقول: سأخلص نيّتي لله وقت الغروب، أو علَيّ أن أحافظ على حضور القلب ليلًا عندما أقوم للصلاة، أو علَيّ أن أراقب حالي ما بين الطلوعين. نعم، هكذا يكون البعض، فتراهم عندما ينْوون زيارة العتبات يأتون ويسألون: ما الّذي علينا فعله أيّها السيِّد لكي نستفيض مِن زيارتنا بشكل أفضل، وكيف يمكننا زيارة الإمام الحسين وأمير المؤمنين بشكل أفضل، وكيف يجب أن يكون حالنا هناك؟ فأقول لهم: احتفظوا بهذا الحال الّذي لديكم الآن هناك، فما هو الفرق بين الموقفين؛ فإنَّ أمير المؤمنين ليس موجودًا في النجف [فقط] بل هو محيط بكامل عالَم الوجود، نعم جسده هو الموجود في النجف. والإمام الحسين ليس موجودًا في كربلاء [فقط]، وإن كانت تلك الواقعة قد حصلت في كربلاء قبل ألف وأربعمائة سنة، حيث قتلوه وأهل بيت النبيّ وقطّعوا أوصالهم، إلّا أنَّ نور الإمام الحسين قد عمَّ كافّة عالَم الوجود. وعليه لماذا نسعى إلى زيادة المراقبة هناك فقط؟!
ما الّذي يعكسه هذا [الحال]؟ إنَّها الازدواجيّة؛ فنحن لا نراقب أحوالنا، فترانا إذا ما ركبنا الحافلة متوجهين إلى كربلاء، عبسنا وامتنعنا عن الكلام مع الآخرين، ونمسك بالسبحة ونبدأ بالتسبيح. كلّا يا هذا، ليس الأمر بهذا الشكل، بل لا يوجد أيّ فرق بين الوضعين، إذ عندما تكون جالسًا في هذا المكان عليك أن تفترض أنّ سيّد الشهداء موجود إلى جنبك، وإن خرجت مِن هذا المكان فعليك أن تفترض أنّ سيّد الشهداء موجود إلى جنبك أيضًا.
طلب منّي بعض الأخوة أن أوصي وأذكّر بهذا المطلب، وهو ضرورة عدم تضييع هذه الحالة الروحيّة والمعنويّة وما يحصلون عليه في مثل هذه المجالس، حيث إنّهم عند خروجهم مِنَ المنزل، يأخذون بالمزاح منذ استقلالهم السيارة معًا. أنا لا أقول هنا أنّ على المرء أن يعبس ويقطب وجهه طوال الوقت، كلّا، ولكن في نفس الوقت عليكم أن تعلموا أنّ كثرة المزاح والمداعبة والكلام في أمور غير مهمّة، مِن قبِيل غلاء البنزين والغازولين وطرح بعض المسائل الاجتماعيّة وما يجري مِن أحداث في الخارج، فإنَّ كلّ ذلك سيضيّع تلك الحالة الّتي حصلتم عليها.
