
النفس المُحكمة والنفس المتشابَهة
تناول قَدَّسَ الله سرَّه مواضيع نفيسة تتمحور حول تفريغ القلب وهي: كيفيّة التعامل مع الحقّ – الوحدة تبنى على الثوابت الحقّة لا على التنازل عنها – آثار تفريغ القلب للحقّ والباطل – آفّة الطريق ومَكمن الخطر في عدم تفريغ القلب للحقّ – النفس المحكمة والمتشابهة – نفس علِيّ هي نفس النبيّ الباقية بعده – مَن يوكّل نفسه إلى الله يهيّئ له اللهُ ما في مصلحته.
النفس المُحكمة والنفس المتشابَهة
11لماذا يحصل له كلّ ذلك؟ لأنَّه عندما كان على مفترق الطرق لم يجلس ويفكّر، بل تابع الشائعات، ولم يستغلّ هذا العقل الموجود في رأسه، ولم يتشاور مع أهل العقل والمنطق والمعرفة، ولم يُحلّل الأمر ويتباحث بشأنه مع مَن يمتلكون معلومات مِن نوعٍ آخر، بل قام بدلًا مِن ذلك بالتشاور مع قصيري النظر وأتباع المشاعر، وطغى عليه جوّ الشائعات الحاكم على المجتمع، ذلك الجوّ الّذي يشهد صعودًا في يومٍ وهبوطًا في آخر. فهو بتغييره لطريقه – هذا التغيير الّذي اختاره بنفسه والّذي حوّله عن جادّة الحقّ والصواب والعقل والمنطق إلى جانبٍ آخر – سيجد أمورًا كثيرةً في هذا الطريق الجديد، وستكون كافّة الاحتمالات مفتوحةً أمامه ومِن بينها احتمال أن يُقضى عليه بالكامل، ومنها احتمال ضياع الكثير مِنَ الفرص عليه. إلّا أنَّ الله قد يأخذ بيده – في منتصف الطريق الّذي اختاره بنفسه – ويُعيده إلى طريقه السابق، وهذا احتمال وارد وهو يعتمد على حاله ووضعه.
فالخطر يكمن هنا، أي يكمن في تفريغ القلب، وهو الأمر المهمّ الّذي قاله عنوان [البصريّ] جوابًا على الإمام الصادق عليه السلام، حيث قال «ففرّغت قلبي له». وهذا ليس بالأمر البسيط، بل هي مسألة حياة أو موت، أي هو الموقف الّذي سيتّخذه المرء مِن مذهب أهل البيت ومدرسة الحقّ ومدرسة العقل والمنطق، ومِن كافّة الأمور الّتي ستعترض طريقه.
مِنَ الممكن أن يتعامل المرء مع أناس يدّعون تبعيّتهم لمذهب أهل البيت في الوقت الّذي يكونون فيه مِن أتباع مذهب الشيطان، وهذا ليس أمرًا مستبعدًا. ترى البعض يدّعي تبعيّته لمذهب أهل البيت، ولكنَّه عندما يصطدم بالحقّ – ولَمَّا كانت نفسه قد تحجّرت، ولم يبق فيها طريقٌ لنفوذ النور إليها – فإنَّ نفس تبعيّته تلك لمذهب أهل البيت ستكون السدّ الّذي يمنعه مِنَ الوصول إلى أهل البيت، وإنّ نفس ادّعاءِ متابعةِ أحاديث أهل البيت سيكون حجابًا يحول بينه وبين فهم مراد ومغزى كلامهم.
نفس علِيّ هي نفس النبيّ الباقية بعده
إنَّ المتحجّرين عقليًّا، الّذين أغلقوا على أنفسهم أبواب العقل والمنطق والعرفان، والّذين لا يتوانون – مع أنّهم لا يمتلكون الحدّ الأدنى مِنَ المعرفة – عن محاربة وتكفير الناس الطاهرين والعلماء والسائرين على طريق الحقّ. إنَّ هؤلاء المتحجّرين يقفون في صفّ مذهب السنّة الّذين [اختاروا أبا بكرٍ] بدل أمير المؤمنين عليه السلام، المُنصّب بنصّ الآية الشريفة {يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ}۱، وبنصّ رسول الله.
- سورة المائدة ٥، جزء مِنَ الآية ٦۷.
