
مناط السعادة والخسران
معنى قول عنوان البصري (ففرغتُ قلبي له) ج2
قال سماحته أنَّ كافّة المشاكل الّتي تحصل لبني البشر، منذ أن خلق الله آدم إلى يوم القيامة، ناشئة عن عدم تفريغ القلب للحقّ. فجميع تلك الحروب والمفاسد الأخلاقيّة، الّتي عانتْ منها المجتمعات والخسائر الّتي مُنيتْ بها، ناجمة عن عدم تفريغ القلب، فترى كلّ واحد منهم يحتفظ لنفسه بمقدار. كما أنَّ كلّ سعادة حصل عليها الإنسان، في أيّة مرحلة مِنْ مراحل حياته وبأيّ مقدار كانت، فهي ناتجة عن تفريغ القلب. فها هو الميدان مفتوح أمامنا فلننظر كيف نتصرّف.
مناط السعادة والخسران
6الولاية في مقام لا يُدركها إلّا الأوحديّ مِنَ السلّاك
بعد مرور ما يقارب العام على ارتحال المرحوم العلّامة الطهرانيّ، وعندما بدأ كلُّ مَنْ هبَّ ودبَّ بطرح تلك المواضيع المنحرفة والمسائل التافهة، وعندما ظهرتْ مِنْ بعضهم بعض الادّعاءات مِنْ قبيل المعرفة والوصل وما شابه ذلك، وما تبعه مِنْ انجرار البعض وراءهم حيث ضلّوا وأضلّوا، ففي ذلك الوقت – الّذي مضى عليه الآن ما يقارب العشرة أو الأحد عشر عامًا – تحدّثتُ في مدينة مشهد في النصف مِنْ شعبان عن هذا الموضوع وقلتُ: ما الّذي يجري في أيّامنا هذه حتّى يتحدّث عن الولاية مَنْ لا يميّز بين الولاية والقرية ؟! فكان هذا الكلام كلامًا عجيبًا وغريبًا بالنسبة لهم، فكانوا يقولون: لقد أمضينا سنوات نتتلمذ على يد العظماء، واستفدنا مِنَ المواضيع الّتي طرحوها، وكنَّا نحضر مجالسهم، فمّا الّذي يقوله هذا السيِّد مِنْ أنَّنا لم نفهم شيئًا خلال هذه السنين الطوال ! فماذا عن كلّ تلك المواضيع والأحاديث وعن صلاة الجماعة والحضور في مسجد القائم والمشاركة في تلك المجالس، فماذا عن كلّ هذا ؟!
فقلتُ لهم: أتريدون أن أقدّم لكم توضيحاً حول ذلك، فقلتُ؛ كان المرحوم الوالد مُشار إليه بِالبَنَان ومضربًا للأمثال في الذكاء وقوّة الذاكرة مِن بين أقرانه؛ فعندما كان أحدهم يتحدّث عن مقدارِ قوّة ذاكرة رجلٍ ما، كان يُقال له أنّه مهما بلغت قوّة ذاكرته فهي ليست بقوّة ذاكرة السيِّد محمّد حسين [الطهرانيّ]. وعندما كان يجري الحديث عن مقدار وحدّة ذكاء شخص، كان يُقال له أنّه إن كان هناك ذكاء للطلّاب والفضلاء فهو منحصر في وجود السيِّد محمّد حسين [الطهرانيّ]. نعم لقد كان على هذه الدرجة مِنَ الذكاء وقوّة الذاكرة. وكان يَنقل لي بنفسه بعض ما كان يحصل له [في هذا الموضوع] عندما كان يدرس في مدينة قمّ. هذا إضافة إلى همّته العالية الّتي لا يماثله فيها أحد والّتي كانت سببًا في حصوله على إجازة الاجتهاد بعد خمس سنوات فقط مِنْ وروده إلى مدينة قمّ. فتلك الهمّة والمواظبة على الدراسة والمطالعة الكثيرة، والّتي كانت تستغرق الليل كلّه حتّى أذان الصبح، هي الّتي جعلته متميّزًا بين أقرانه ويُشار إليه بالبَنان. وما أقوله كان كذلك في الواقع؛ وإن أضفنا إلى همّته تلك ما كان يتمتّع به مِنْ مدركات قلبيّة عجيبة وحياتيّة [سنعلم] ما الّذي جعله – مِنْ بين جميع أقرانه – ينجذب إلى المرحوم العلّامة الطباطبائيّ ويستلم منه برنامجًا سلوكيّا وذِكْرًا في السنة الثانية مِنْ وصوله إلى مدينة قمّ، وكان قد استمرّ على هذا البرنامج والذكْر وهو في النجف.
