
مناط السعادة والخسران
معنى قول عنوان البصري (ففرغتُ قلبي له) ج2
قال سماحته أنَّ كافّة المشاكل الّتي تحصل لبني البشر، منذ أن خلق الله آدم إلى يوم القيامة، ناشئة عن عدم تفريغ القلب للحقّ. فجميع تلك الحروب والمفاسد الأخلاقيّة، الّتي عانتْ منها المجتمعات والخسائر الّتي مُنيتْ بها، ناجمة عن عدم تفريغ القلب، فترى كلّ واحد منهم يحتفظ لنفسه بمقدار. كما أنَّ كلّ سعادة حصل عليها الإنسان، في أيّة مرحلة مِنْ مراحل حياته وبأيّ مقدار كانت، فهي ناتجة عن تفريغ القلب. فها هو الميدان مفتوح أمامنا فلننظر كيف نتصرّف.
مناط السعادة والخسران
4فسيبدأ الجميع بالإجابة على السؤال، فأين كان يكمن هذا الجواب ؟ لا شكّ وأنَّ لكلِّ واحد منَّا أفكاره الخاصّة. وعندما نبدأ بقراءة الإجابات نجد التفاوت الشاسع بينها، حيث تختلف بعضها عن بعض بمقدار المسافة بين الأرض والسماء؛ فنرى أحدهم يقول بوجوب القيام بذلك الأمر، بينما يقول الآخر بعدم جواز القيام به. فنجد الإجابات تأخذ اتجاهات مختلفة تمامًا وبواقع مائة وثمانين درجة. كما أنَّ كلّ واحد مِنَ المجيبين يعتقد أنَّه صاحب الجواب الصحيح، وهم يعبّرون عمّا في أذهانهم بصدق. بناءً على هذا لا ضير في أن يحضر أحدنا مكانًا وهو يحمل في ذهنه أفكارًا ويستمع إلى ما يُطرح مِنْ أحاديث، ولكنّ الخطأ يكمن في أن تحول تلك الأفكار بينه وبين إدراك الأمر على حقيقته عندما يسمع خلاف ما كان يعتقد به، فهنا تكمن المصيبة.
مِنَ الممكن أن تكون المعلومات المرتكزة في الذهن خاطئة – فمعلومات الإنسان وليدة البيئة الّتي عاش فيها والأحداث الّتي مرّت عليه – وقد تكون صحيحة، واللهُ لا يُؤاخذ العبدَ على أنّه قد اكتسب المعلومات في بيئة وظروف صالحة أو أنَّه اكتسبها في بيئة وظروف طالحة، فهي تحصل له بمقدار ما بذله مِنْ جهد في إصلاحها، وفي النهاية قد حصل على تلك المعلومات بالفعل، فليس لهذا الأمر بحدّ ذاته أيّة أهميّة، بل المهمّ هو ما يَتبع ذلك مِنْ كيفيّة تعامله مع القضايا الّتي تتعارض مع أفكاره.
يجب المحافظة على الحريّة وعدم التعصّب الأعمى
قد عايشتُ أحداثًا كثيرةً منذ طفولتي، وكانت تلك الأحداث تجرّني إلى هذا الجانب أو ذاك، وقد منحني الله التوفيق لأن لا أتعصّب لأيّ رأي، وأنا أحرص على هذا الأمر حتّى الآن؛ فلو وقع في يدي اليوم كتابٌ مِنْ تأليف الشمر لَقرأته، فلعله يتضمّن موضوعًا مفيدًا، وليس مِنَ الصواب أن أضرب الكتاب بالجدار وأمزّقه وأحرقه لمجرد أنّني رأيت على جلد الكتاب أنّ اسم المؤلّف هو شمر بن ذي الجوشن، فهو الّذي قتل سيِّد الشهداء، فلأيّ شيء أقوم بهذا العمل ؟! فلعلّ مؤلّف الكتاب قد ذكر فيه قضيةً مفيدةً وموضوعًا صحيحًا. فالأمر المهمّ هنا ليس ما هو موجود في ذلك الكتاب، بل هو محافظة المرءِ على ما يمتلك مِنْ حريّةٍ وخلوصِ قلبٍ، فليس لما يواجهه المرء في حياته أهميّة مثل هذه الأهميّة مهما كانت تلك الأمور ومهما كان شكلها.
