
مناط السعادة والخسران
معنى قول عنوان البصري (ففرغتُ قلبي له) ج2
قال سماحته أنَّ كافّة المشاكل الّتي تحصل لبني البشر، منذ أن خلق الله آدم إلى يوم القيامة، ناشئة عن عدم تفريغ القلب للحقّ. فجميع تلك الحروب والمفاسد الأخلاقيّة، الّتي عانتْ منها المجتمعات والخسائر الّتي مُنيتْ بها، ناجمة عن عدم تفريغ القلب، فترى كلّ واحد منهم يحتفظ لنفسه بمقدار. كما أنَّ كلّ سعادة حصل عليها الإنسان، في أيّة مرحلة مِنْ مراحل حياته وبأيّ مقدار كانت، فهي ناتجة عن تفريغ القلب. فها هو الميدان مفتوح أمامنا فلننظر كيف نتصرّف.
مناط السعادة والخسران
21سأقوم بشرح ما تبقّى مِنْ مواضيع في المجلس القادم إن شاء الله. ونسأل الله أن يجعلنا ممّن يشملهم مضمون دعاء الإمام السجّاد عليه السلام: إلهي اجعل قلبي مستعدّا دائمًا لتقبّل ما فيه رضاك. فهذا أمر في غاية الأهميّة؛ فقد يتمثّل رضا الله ... في أن تقوم بعمل غير ما كنت تنوي القيام به .. ألسنا نسعى لنيل رضا الله، فإن كان الأمر كذلك فما معنى كلّ هذا التهريج، وما معنى إطلاق كلّ هذا الكلام المستهجن، هل يتلاءم السعي لتحصيل رضا الله بالتفوّه بكلامٍ مستهجنٍ والسبّ والشتم والشجار والتنافس والأنانيّة ؟!
فإن قيل لأحدهم عليك القيام بهذا العمل والامتناع عن ذاك، ترى صوته يرتفع وتراه يتّهم غيره بالانحراف ويأمر بطرده. لماذا كلّ هذا الصياح والتهريج يا هذا ؟! كان عليك بدلًا مِنْ ذلك أن تختلي بنفسك وتفكّر فيما قيل لك، وبإمكانك أن تستشير غيرك وتزن الأمور بعقلك وتحقّق في الأمر بنفسك، وكان عليك عندما تريد اتّخاذ القرار أن ترى نفسك وكأنك واقف أمام الله في يوم القيامة وهو يحاسبك على قرارك هذا، وعند ذلك سيختلف الأمر شيئًا ما. فلا يصحّ الإقدام على أيّ عملٍ بلا تروٍّ، فيهاجم المرءُ هذا وذاك، ويشتم فلانًا ويكفّر آخر ويجعل مِنْ ثالثٍ مرتدًّا ومن آخر منحرفًا ويَعدُّ فلانًا منسلخًا عن الدين وهذا يساريًّا وذاك يمينيًّا، فالتصرّف بهذا الشكل ليس صحيحًا، فأمامك يوم سيجري فيه الحساب والعقاب، فأنت لا تستطيع أن تخدع الله عندما يحاسبك يوم القيامة على ما قمتَ به، نعم قد تستطيع أن تخدع الآخرين، غير أنَّك لا تستطيع أن تخدع المَلَكَين المُوكلَين بك، فما بالك بالله.
على كلٍّ منّا أن يجلس ويفكّر في أمر نفسه، فنحن نهدر الكثير مِنَ الاستعدادات الّتي وهبنا الله إيّاها، ونُتلف أوقاتنا، ونعمل على تحطيم ذلك الجوهر الثمين الّذي جعله الله في وجودنا، وهو الجوهر الّذي لا يمكن تعويضه إن فُقِدَ. نعم، نحن نعمل على تحطيمه بأيدينا وسحقه تحت أقدامنا .. وكلّ واحد منَّا مسؤول عن أعماله تصرّفاته.
اللهمَّ صلِّ على محمّدٍ وآلِ محمّد
