
مناط السعادة والخسران
معنى قول عنوان البصري (ففرغتُ قلبي له) ج2
قال سماحته أنَّ كافّة المشاكل الّتي تحصل لبني البشر، منذ أن خلق الله آدم إلى يوم القيامة، ناشئة عن عدم تفريغ القلب للحقّ. فجميع تلك الحروب والمفاسد الأخلاقيّة، الّتي عانتْ منها المجتمعات والخسائر الّتي مُنيتْ بها، ناجمة عن عدم تفريغ القلب، فترى كلّ واحد منهم يحتفظ لنفسه بمقدار. كما أنَّ كلّ سعادة حصل عليها الإنسان، في أيّة مرحلة مِنْ مراحل حياته وبأيّ مقدار كانت، فهي ناتجة عن تفريغ القلب. فها هو الميدان مفتوح أمامنا فلننظر كيف نتصرّف.
مناط السعادة والخسران
2أعوذ بالله مِنَ الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين
والصلاة والسلام على سيِّدنا ونَبيِّنا أبي القاسم محمّد
(اللهمّ صلِّ على محمّدٍ وآلِ محمّد)
وعلى آله الطيّبين الطاهرين واللعنة على أعدائِهم أجمعين إلى يوم الدين
قال عنوان «ففرّغت قلبي له»۱.
كنتُ قد بيّنت للإخوة في المجلس السابق أنَّ عبارة عنوان هذه جميلة، لذا رأيتُ مِنَ المناسب أن أشرحها بالتفصيل، ثمّ أعود بعدها – إن وفّقني الله – [لمتابعة] شرح كلام الإمام عليه السلام لعنوان، فقد طلب عنوان مِنَ الإمام تعليمات إضافيّة لكي يطبّق كلام الإمام عمليًّا. وعبارات الإمام الراقية والعالية المضامين، تحتاج إلى تهيئة النفس وإعدادها مِنْ أجل إدراك معانيها ومِنْ أجل التحقّق بمقام العبوديّة ولوازمها وآثارها.
هذا خلاصة ما طلبه عنوان مِنَ الإمام الصادق. فأخذ الإمام بتوصية عنوان بتلك الوصايا التسع، والّتي يمكن القول عنها أنَّ الإمام لم يدع شيئًا ممّا يلزم في تربية النفس وتزكيتها إلّا ذكره فيها. [فعندما أراد أن يشرع بها] قال عنوان: «ففرّغت قلبي له»، وذلك لكي أتمكّن مِنْ تركيز جميع أفكاري على ما يريد الإمام قوله، فطردتُ كافّة التخيّلات عن ذهني واستنفرتُ جميع حواسّي، وحرّرت ذهني مِنْ كلّ ما يمكن أن يشغله ونفسي مِنْ كلّ ما يمكن أن يحرفها عن قول الإمام عليه السلام.
بمقدار ما تفرّغ قلبك تحصل على الحقيقة
يحصل أن نمرّ بهذا الموقف في حياتنا اليوميّة، وذلك عندما يجري حديث بين اثنين، فيكون واضحًا للمتكلّم إن كان المخاطَب يستمع حقًّا لقوله، أم أنَّه مجرد استماع عابر، فيستطيع المرء معرفة ذلك مِنْ نظرات المخاطَب، نعم يستطيع أن يعرف مِنْ خلال نظراته الهدف الّذي يسعى المخاطَب للوصول إليه وما الّذي يبحث عنه في تلك العبارات الّتي يطلقها المتكلّم؛ فهل يريد أن يفهم ما يقوله المتكلّم – وهذا ما يحصل لنا جميعًا فهو ليس بالشيء الجديد – أم أنَّه يقارن بين ما يسمعه وبين ما حفظه في نفسه مِنْ أفكار خاصّة وخيالات، ليرى مدى تطابق ما يسمعه مع الأفكار المخزّنة في ذاكرته، فمِثْل هذا الرجل لم يخرج عن مكنونات صدره ولم يُخل نفسه ولم يطهّر ذهنه [بعدُ] ولم يعمل على إفراغ نفسه بالشكل المطلوب مِنْ أجل أن يتلقّى الحقائق الّتي ستُطرح عليه.
- ) فقرة مِن حديث عنوان البصريّ؛ راجع أسرار الملكوت ج۱ ص٣٤، نقلا عن الروح المجرّد ص۱۸۷، نقلا عن بحار الأنوار.
