
مناط السعادة والخسران
معنى قول عنوان البصري (ففرغتُ قلبي له) ج2
قال سماحته أنَّ كافّة المشاكل الّتي تحصل لبني البشر، منذ أن خلق الله آدم إلى يوم القيامة، ناشئة عن عدم تفريغ القلب للحقّ. فجميع تلك الحروب والمفاسد الأخلاقيّة، الّتي عانتْ منها المجتمعات والخسائر الّتي مُنيتْ بها، ناجمة عن عدم تفريغ القلب، فترى كلّ واحد منهم يحتفظ لنفسه بمقدار. كما أنَّ كلّ سعادة حصل عليها الإنسان، في أيّة مرحلة مِنْ مراحل حياته وبأيّ مقدار كانت، فهي ناتجة عن تفريغ القلب. فها هو الميدان مفتوح أمامنا فلننظر كيف نتصرّف.
مناط السعادة والخسران
13يقول المرحوم العلّامة الطهرانيّ: إنَّ السلوك لا يعني سوى هذا الأمر۱، فهو لا يتمثّل في صلاة الليل – أنا الّذي أقول هذا الكلام عن لسانه، فالمرحوم العلّامة الطهرانيّ لم يقله – والإتيان بالأذكار ولا في الصو م، فجميع هذه الأمور والتكاليف عبارةٌ عن مقدمات تُهيّئ المرء لاجتياز هذه المرحلة، فلو أردتَ الإتيان بذِكر ما مِنْ تلقاء نفسك دون تجويز مِنْ وليّ إلهيّ، فليس مِنَ المعلوم أنّه عمل صحيح، وقد لا يترتّب عليه الأثر الصحيح، بل قد يؤدِّي إلى إيقاعك في انحرافات، وهذا ما يحصل بالفعل. إنَّ وليّ الله يقول له: إنَّ امتناعك عمّا أنهاك عنه سيسرّع في تكاملك أكثر مِنْ أدائك لصلاة الليل مائة عام.
إنَّ الأستاذ يضع يده على مثل هذه الأمور، سواء كانت مِنَ المسائل النفسيّة أو العلاقات الاجتماعيّة – عليكم التركيز على هذا الأمر فهو في غاية الأهميّة – نعم إنَّ الأمر لا يختصّ بالمسائل النفسيّة فقط، بل [يتعلّق] بما يقوم به السالك مِنْ أعمال [إجتماعيّة أيضًا] الّتي قد يكون لها تبعات تؤدِّي إلى الضلال والإفساد، والسالك لا يعلم ما يعلمه الوليّ الإلهيّ، إذ السالك لا ينظر إلى الأمر إلّا مِنْ ناحيته الظاهريّة مِنْ فعّالية ونشاط وحركة ظاهريّة، أمّا ذلك الرجل الّذي تجاوز هذا الأمر وكان قد أمضى ليس فقط ثماني وعشرين سنة في هذا الطريق بل ثماني وثلاثين أو أربعين سنة فيه فهو رجل يختلف عنك بعض الشيء يا عزيزي. فإن كنتَ ترى أنَّه لا يُدرك الأمور حتّى بمستوى إدراكك أنت، فلماذا أتيت إلى هنا؟! وما هو الفرق حينئذٍ بين سلوكه أربعين عامًا وبين حالك أنت الّذي لم تخطُ حتّى خطوةً واحدةً في هذا الطريق ؟! وإن كنتَ تعتقد أنَّه متخلّف عنك في تشخيص المصلحة ولا يمتلك ما تمتلكه مِنْ فهم، وأنَّك أقدر منه على تشخيص صلاحك الشخصيّ وصلاح المجتمع، وأنَّك تستطيع تقدير ما يمكن أن يترتّب على فعلٍ ما مِنْ تبعاتٍ وعواقب، فلماذا تأتي إليه ؟! [فإن كنتَ تؤمن بهذا] كان عليك الاستمرار بعملك وفقَ ما تعتقده مِنْ صحّة ! أمّا إن كنتَ تعتقد أنّه أفضل منك – وهو أقلّ درجات الإنصاف – فلماذا تستثني بعض الموارد إذًا، بأن تقبل منه شيئًا وترفض شيئًا، فلماذا تخصّص لنفسك بعض الأمور ؟!
- ) يقصد طاعة أوامر الأستاذ في الشؤون العامّة والاجتماعيّة والنفسيّة. (م)
