
مناط السعادة والخسران
معنى قول عنوان البصري (ففرغتُ قلبي له) ج2
قال سماحته أنَّ كافّة المشاكل الّتي تحصل لبني البشر، منذ أن خلق الله آدم إلى يوم القيامة، ناشئة عن عدم تفريغ القلب للحقّ. فجميع تلك الحروب والمفاسد الأخلاقيّة، الّتي عانتْ منها المجتمعات والخسائر الّتي مُنيتْ بها، ناجمة عن عدم تفريغ القلب، فترى كلّ واحد منهم يحتفظ لنفسه بمقدار. كما أنَّ كلّ سعادة حصل عليها الإنسان، في أيّة مرحلة مِنْ مراحل حياته وبأيّ مقدار كانت، فهي ناتجة عن تفريغ القلب. فها هو الميدان مفتوح أمامنا فلننظر كيف نتصرّف.
مناط السعادة والخسران
الوصف:
قال سماحته أنَّ كافّة المشاكل الّتي تحصل لبني البشر، منذ أن خلق الله آدم إلى يوم القيامة، ناشئة عن عدم تفريغ القلب للحقّ. فجميع تلك الحروب والمفاسد الأخلاقيّة، الّتي عانتْ منها المجتمعات والخسائر الّتي مُنيتْ بها، ناجمة عن عدم تفريغ القلب، فترى كلّ واحد منهم يحتفظ لنفسه بمقدار. كما أنَّ كلّ سعادة حصل عليها الإنسان، في أيّة مرحلة مِنْ مراحل حياته وبأيّ مقدار كانت، فهي ناتجة عن تفريغ القلب. فها هو الميدان مفتوح أمامنا فلننظر كيف نتصرّف.
مناط السعادة والخسران
10كان أوّل مَنْ زار المرحوم العلّامة الطهرانيّ بعد عودته مِنَ السفر هو أحد أصدقائه الّذي تربطه به علاقة مودّة في عهد المرحوم الشيخ الأنصاريّ، ولكنّه قلّل مِنْ علاقته تلك في أواخر عمره. فقد زاره الرجل بعد الظهر، فجلبتُ لهم الشاي وجلستُ جانبًا، ومِنَ الأمور الّتي قالها [العلّامة] له: لقد شاهدتُ في سفري هذا أمرًا مِنَ السيِّد الحدّاد، ولقد حكيتُ القليل مِنَ الكثير الكثير الكثير الكثير منه للسيِّد السبزواريّ۱، فبقي السبزواريّ لمدة أسبوع مذهولًا متحيّرًا ممّا سمعه وهو يقول (كيف يحصل مثل هذا الشيء).
نعم قال [العلّامة الطهرانيّ]: نقلتُ للسيّد السبزواريّ القليل مِنَ الكثير الكثير – وردّدها عدّة مرات – ممّا رأيتُه مِنَ السيّد الحدّاد، فبقي الرجل٢ لمدة أسبوع مذهولًا يردّد بينه وبين نفسه (ما الّذي حصلنا عليه في مدّة تتلمذنا على يد الشيخ الأنصاريّ) ثمَّ أردف المرحوم العلّامة قائلًا: ولقد قلتُ له: نأمل أن تكون تلك الفترة بمثابة المقدّمة التربويّة للوصل إلى هذا الرجل٣ لتبلغ عنده ما يمكنك بلوغه.
أتلاحظون كيف أنَّه بعد مرور ثماني وعشرين سنة [مِن السلوك]، لم يكن قد وصل إلى تلك الولاية بعد – ولعلّه قد حصل المزيد بعد ذلك – فأنا عندما قلتُ أنّ أولئك لا يفرّقون بين الولاية والقرية، لم أقل ذلك جزافًا. فلا يجوز لنا – والحال هذه – أن نقوم بمثل تلك الألاعيب ونطلق تلك الخزعبلات ونتقمّص شخصيّة العظماء، بل علينا أن نكون مصداقًا لقول أمير المؤمنين: رحم الله امرؤ عرف قدر نفسه٤. لقد أقام أمير المؤمنين الحجّة علينا، فعلى كلّ واحدٍ منَّا أن يعرف حدّه ومقياس ثوبه، فلا يتقمّص لباس الآخرين، بل عليه أن يلبس ما يتناسب مع قامته، لا أن يضع على كتفيه عباءةَ غيره، ولا أن يتعمّم بعمامة غيره ولا أن يلبس حذاء غيره، فلكلّ شيء حدّه الخاصّ به.
فاز المرحوم العلّامة بذلك المقام لأنّه فرّغ قلبه للحقيقة
لماذا [فاز المرحوم العلّامة الطهرانيّ بذلك المقام] ؟ لأنَّه كان قد فرّغ قلبه منذ البداية مِنْ أجل إدراك الحقيقة – وهو عين الكلام الّذي قاله عنوان – ولم يكن قد اتّخذ لنفسه موقفًا مضادًّا. فمَنْ يفرّغ قلبه سيوفّقه الله ويمنحه السِّعة اللازمة ويفيض على قلبه ما يجب أن يُفاض. فلو اتّخذ جميع أهل الدنيا والمسلمين مسيرًا، لاتّخذ لنفسه مسيره الخاصّ. ولو سار جمع كبير مِنَ الناس في الشوارع، لَمَا عبأ بهم ولاتّخذ طريقه الخاصّ.
- ) لاحظوا أنّ ما أنقله لكم الآن كان بعد مرور ثمانية وعشرين عامًا على سلوكه. كما أنّ المرحوم العلّامة كرّر بكثرة لفظ (الكثير) في كلامه مع هذا الرجل. [والجدير بالذكر] أنّ السيّد السبزواريّ رحمه الله كان أقدم تلامذة المرحوم الشيخ الأنصاريّ. (مِن سماحة السيّد قدّس الله سرّه)
- ) يقصد المرحوم السيّد السبزواري. (م)
- ) يقصد المرحوم السيّد الحدّاد قدّس الله سرّه. (م)
- ) ورد في (غرر الحكم ودرر الكلم) ص ٣۷٣؛ قال عليه السلام: رحم الله امرء عرف قدره ولم يتعدّ طوره. (م)
