
الوصايا التسع لاجتناب مصائد الشيطان ومكامنه
إنّ وصايا الإمام التسع في حديث عنوان البصريّ هي خاصّة للّذين يريدون اجتناب الوقوع في حبائل الشيطان. فلم يدّخر سماحة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ جهدًا في إبراز مكامن شِباك الشيطان ومرابض مكائده لعنه الله، فعدّدها وبيّنها واحدة تلو الأخرى. وفي السياق نفسه عرّج لبيان المسالك المبعِّدة عن سيّد الشهداء وعن غايته والمُضيِّعة لتضحياته، كما فنّد بعض التجلّيات الجماليّة والجلاليّة للمرحوم العلّامة والّتي عكست نجاة البعض وسقوط البعض الآخر
الوصايا التسع لاجتناب مصائد الشيطان ومكامنه
24لقد أوجد الإمام الحسين عليه السلام واقعة كربلاء لكي تعلم أنَّك إنْ كنتَ تسلك طريقًا في هذا العالم وأنت على علمٍ بصحّته، فعليك مواصلة سيرك حتّى وإن كنتَ تسلكه وحدك، بشرط أن لا يكون سلوكك له مبنيّا على الوهم والخيال والتعصّب، فهذا غير صحيح، فلا بدّ أن تكون قد تحقّقتَ من صحّة الطريق، لا أن تُطرق رأسك إلى الأرض مثل الحمار – وإن كان للحمار إدراك خاصّ أيضًا – قائلًا إنَّ ما أتَبَنّاه هو الصحيح، نعم، إن تحقّقت مِنْ صحّة مسيرك وناقشت هذا الأمر مع هذا وذاك وتبيّن لك صحّة الأمر مِنْ سقمه، تكون قد قمت بالمطلوب. وهذا ما ضحّى مِنْ أجله الإمام الحسين بنفسه، ومِنْ أجله هذا رضي أن يُؤسر أهل بيته.
أمّا إن كنَّا نحضر مجالس عزاء سيِّد الشهداء ونلطم صدورنا ورؤوسنا لنعود مِنْ بعده إلى الأعمال [الخاطئة] الّتي كنَّا نقوم بها، سيكون ما قام به الإمام الحسين قد ذهب هدرًا وقد بطُل الهدف منه، وبذلك يصبح الإمام مظلومًا. لماذا ؟ لأنّ الهدف الّذي قام مِنْ أجله لم يتحقّق، ولأنّنا لم نستفِد مِنْ قيامه. ولذا سيكون أوّل مَنْ يُقاضينا في محكمة العدل الإلهيّ يوم القيامة هو سيِّد الشهداء.
ظهور بعض التجلّيات الجماليّة والجلاليّة للمرحوم العلّامة (قدّس الله سرّه)
أعرفتم الآن مغزى الكلام الّذي تضمّنته الرسالة الّتي بعثها المرحوم العلّامة مِنَ المدينة [المنوّرة] إلى المرحوم الحاجّ هادي الأبهريّ – لا أتذكّر أين ذكرتُ هذا الموضوع ولعله في الجزء الثاني مِنْ كتاب أسرار الملكوت۱ – حيث أشار في الرسالة إلى نفس الموضوع [أعلاه].
لَمّا كان المرحوم الأبهريّ مخلصًا وصافي النيّة نجّاه الله مِنْ تلك الفتنة الّتي أوجدها أهل الفِتن، وتخلّص مِنْ وسوسة الشياطين والخنّاسين الّذين قال المرحوم العلّامة عن أحدهم: [سألقيه بنفسي في نار جهنّم] يوم القيامة.
ولقد كرّر المرحوم العلّامة هذه الجملة عدّة مرات في فترات حياته، ومِنَ المعلوم أنَّ هذا الكلام كان [بواسطته ولكنّ] مصدره مكان آخر. [وإحدى تلك المرّات هي] عندما كان راقدًا في مستشفى القائم في مدينة مشهد المقدّسة يعاني مِنْ مرضٍ في القلب، أتذّكر حينها أنّ عددًا مِنَ الأطباء جاؤوا لعيادته، وكان أحدهم رجلًا متديّنًا صالحًا ومِنَ المصلّين، وممّن صار نائبًا عن مدينة مشهد لدروة أو دورتين في مجلس الشورى، ويبدو أنَّ زوجته صارت هي الأخرى نائبة على ما أذكر، أمّا هو فقد صار نائبًا قطعًا، وكان متخصّصًا في جراحة المسالك البوليّة. وكان المرحوم العلّامة حينها مُمدّدًا على السرير وأنا جالس إلى جانبه، فجرى الحديث عن تجويز البعض – ممّن كان يحتّل منصبًا معيّنًا ومِن سكّان مدينة قم، وهو متوفٍّ في الوقت الحاضر – إسقاط الجنين وعَمِل على تشريعه قانونيًّا، فسأل هذا الطبيب المرحوم العلّامة: هل صحيح ما فعله الرجل يا سيِّد ؟ والحال أنّ الطبيب لم يكن مقتنعًا بذلك الأمر، فقد كان رجلًا متديّنًا جدًّا ويُعدّ مِنْ جرّاحي الطراز الأوّل في إيران، وهو رجل معروف – لا أريد أن أذكر اسمه – غير أنَّ الكثير مِنَ الإخوة والأصدقاء المتواجدين هنا يعرفونه. فرأيتُ المرحوم العلّامة قد نهض جالسًا على السرير بالرغم ممّا كان يعانيه مِنْ مرض في القلب، وقد انتفخت أوداجه – فقلتُ في نفسي يا للهول لقد انتهى أمر الرجل – وقال: «سألقي به في نار جهنّم بيدَيّ هاتين يوم القيامة». إنَّه لأمر عجيب حقّا، ولقد كانت حالته عجيبة عندما قال ذلك، كما أنّ هذا الرجل الّذي قال عنه العلّامة أنّه سيلقيه في نار جهنّم يوم القيامة، هو رجل معمّم ومِنَ السادة. وعندها تغيَّر حال الأطباء، ثمّ جلسوا لعدّة دقائق واستأذنوا للانصراف.
- ) أما الرسالة فقد ذكر قسمًا منها في أسرار الملكوت، ج٢، ص٢۱٢. وللإطّلاع على أحوال الحاجّ هادي الأبهريّ والحادثة المتعلقة بتلك الرسالة راجع المصدر نفسه ص ٢۰٤ وما يليها. (م)
