
الوصايا التسع لاجتناب مصائد الشيطان ومكامنه
إنّ وصايا الإمام التسع في حديث عنوان البصريّ هي خاصّة للّذين يريدون اجتناب الوقوع في حبائل الشيطان. فلم يدّخر سماحة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ جهدًا في إبراز مكامن شِباك الشيطان ومرابض مكائده لعنه الله، فعدّدها وبيّنها واحدة تلو الأخرى. وفي السياق نفسه عرّج لبيان المسالك المبعِّدة عن سيّد الشهداء وعن غايته والمُضيِّعة لتضحياته، كما فنّد بعض التجلّيات الجماليّة والجلاليّة للمرحوم العلّامة والّتي عكست نجاة البعض وسقوط البعض الآخر
الوصايا التسع لاجتناب مصائد الشيطان ومكامنه
13ليس للماء رائحة طبعًا .. فهل تعرف رائحةً للماءٍ ؟! نعم، لماء التفاح وماء البطيخ وماء الرَّقيّ رائحة، فلكلّ منها رائحته الخاصّة، أمّا ذلك الماء الصافي فمهما شممته لن تجد له أيّة رائحة، ولكنَّنا نرى كيف يتبدّل هذا الماء الصافي الزلال عديم الطعم والرائحة إلى ماءٍ عَفِنٍ بدرجة العفونة الموجودة في القنطرة الّتي مرّ منها.
وهكذا هي النفس البشريّة. فجميع ما يصدر منَّا مِنْ أفعال هو بروز وظهور خارجيّ لأسماء وصفات الحقّ، سواء كانتْ هذه الأفعال صادرة مِنْ مؤمنٍ أم كافر، صالحٍ كان أم طالح، صحيح كان أم سقيم. فجميع الأفعال عبارة عن مظاهر لتلك الأسماء والصفات، فهي تُنزّل مِنَ المبدأ والذات [الإلهيّة] وتستقر في نفس مِنَ النفوس، فنرى ظهورها في العالم الخارجيّ؛ فقد تظهر قدرة ما بواسطة يد أبي الفضل فتهلك الأعداء، وقد تظهر بواسطة يد الشمر ويزيد فتقتل ابن النبيّ. فكلّ ما يحصل في هذا العالم إنَّما ينزل مِنَ العالم العلويّ، وعندما يظهر بالمظهر الخارجيّ الّذي نشاهده فإمّا أن يكون قد امتزج بكيد الشيطان أو أنّه بقي على حاله بدون أن يمتزج به.
وصايا الإمام التسع مخصّصة لِمَن يريد إجتناب الشيطان
بناء على هذا فالإمام عليه السلام يقول: إنَّ هذه الوصايا التسع هي للّذين يريدون تجنّب الوقوع في حبائل الشيطان، لا أنّهم لا يريدون أن يعملوا شيئًا؛ فعلى سبيل المثال كان يزيد والشمر مِنَ المصلّين في الوقت الّذي قَتَلا فيه الإمام الحسين، أفلم يكن يزيد يصلّي بالناس جماعة في المسجد، ألم يكن الشمر يصلّي، بل كان أحد أئمّة الجماعة في الكوفة، وكان الناس كثيرًا ما يأتمّون به عندما يغيب إمام جماعة المسجد. فلا تتصوّروا أنَّه لم يكن يتمتّع بمكانة يُعتدّ بها، بل كان يحظى باحترام وتقدير الآخرين. ولكن مَنْ كان يعلم ما الّذي يجري في نفسه، ومَنْ كان يعلم أنَّه يمتلك سريرةً فاسدةً بدرجةٍ سمحت له بتلويث يديه بدم ابن رسول الله، نعم، مَنْ كان يعلم كلّ ذلك عنه ؟ لم يكن أحد ليعلم ذلك حتّى ظهر منه ما ظهر في أرض كربلاء، حين لم يجرؤ أيّ أحد على قتل الإمام الحسين جاء عندها هذا الدنس القاسي القلب وفعلها. نعم، لقد كان على درجةٍ مِنَ الدنس والرجس – إذ الرجس على درجات – بحيث كان الوحيد الّذي امتلك الجرأة الّتي مكّنته مِنْ قَتْل سيّد الشهداء. فمَنْ كان يعلم كلّ ذلك ؟ [لا أحد يعلم ذلك، بل كانت الناس تراه] رجلًا صائمًا يصلّي ويأخذون أحكامهم الشرعيّة عنه. كما أنّ عمر بن سعد كان يدرّس في المسجد وكان إمامًا للجماعة ومرجعًا للناس، ولا يمكن لأيٍّ كان أن يصبح إمامًا للجماعة، بل لا بدّ أن يكون رجلًا ظاهرَ الصلاح.
