
التقوى والزهد
ما هي أوّل درجة التقى؟ وهل تعني الوصول إلى الهدف أم بداية الحركة والانطلاق والإدراك لموقع النفس؟ وما المراد بالتقوى وما علاقتها بالزهد الخاطئ؟ وما هي مظاهر وأسباب الزهد الخاطئ؟ وما هي أكبر لذّات النفس التي تفوق اللذّات الحسيّة خطرًا؟ ولماذا كان تفكّر ساعة خيرًا من عبادة سبعين سنة؟ موضوعات تعالجها هذه المحاضرة ضمن شرح فقرة فهذا أوّل درجة التقى من حديث عنوان البصريّ.
التقوى والزهد
الوصف:
ما هي أوّل درجة التقى؟ وهل تعني الوصول إلى الهدف أم بداية الحركة والانطلاق والإدراك لموقع النفس؟ وما المراد بالتقوى وما علاقتها بالزهد الخاطئ؟ وما هي مظاهر وأسباب الزهد الخاطئ؟ وما هي أكبر لذّات النفس التي تفوق اللذّات الحسيّة خطرًا؟ ولماذا كان تفكّر ساعة خيرًا من عبادة سبعين سنة؟ موضوعات تعالجها هذه المحاضرة ضمن شرح فقرة فهذا أوّل درجة التقى من حديث عنوان البصريّ.
التقوى والزهد
3مذكّرات في مكّة
قلت مرّةً للرفقاء أني ذهبت يومًا إلى مكتبة لأشتري كتابًا فوقع نظري على كتاب اسمه "السفر إلى مكة" فقلت: لا شكّ أنّ هذا الكاتب نال بعض الحقائق والأسرار والحالات فكتبها ـ فكثير من الذين يسافرون إلى مكة يكتبون مذكّراتهم ـ فأخذت الكتاب فرأيت أنّ هذا المسكين قد قضى الأسبوعين في مكة بقياس المسجد الحرام كم شبرًا هو في طوله وفي عرضه والكعبة كم سنتيمترًا هي بشكلٍ دقيق حتى كان قد كتب كم سنتيمترًا وكم ميلليمترًا بطولها وعرضها، فبدلاً من أن يكون همّه التكبير والتهليل والتفكير في أنّه من الذي جاء إلى هذا المكان ووقف هنا، فكّر أنّ الكعبة كم سنتيمترًا هي وكم مترًا. حسنًا، ما شأنك أنت؟! هل طلبوا منك أن تنظر كم مترًا وكم سنتيمترًا هي، لقد كان كامل هم هذا وفكره منصّبًا على الظاهر ولم ينل مما يناله الآخرون ذرّةً واحدة، ولم يصل إلى تلك الحقائق، فقط نظر إلى هذه المآذن كم ارتفاعها وإلى المواد التي استعملت في تلك الأبنية ما هي.
هذا الأمر الذي أذكره للرفقاء مهمٌّ جدًا، من الأمورالدقيقة جدًّا في السلوك وحركة الإنسان من عالم الظاهر إلى عالم الباطن ومن عالم الاعتبار إلى عالم الحقيقة وهذا واحدٌ من أمثلتها، فإذا أردنا أن نحقّق في حياتنا فردًا فردًا نجد أنّها كسفر هذا إلى مكّة لا تختلف عنها كثيرًا.
يقول الإمام الصادق عليه السلام إنّ هذا الكلام الذي قلته إلى الآن، مسألة العبودية، الوصول إلى الحقائق، تنحية الاعتبارات والنظر إلى ما يغضّ عنه الناس أبصارهم هي أمورٌ تجعل الإنسان يحدّد مكانه في هذا العالم ويدرك ما يريده الله منه ولا يضيّع فرصته هباءً منثورًا ولا يبذل الاستعداد الذي أودعه الله تعالى فيه بأعمالٍ صبيانيّة، لقد وصل للتوّ إلى بداية الطريق ومن الآن فصاعدًا عليه أن يبدأ بالحركة، ويجب أن يطبّق تلك الأمور واحدةً واحدة وفي كلّ ساعةٍ ودقيقة هذه هي حقيقة الأمر. فهذا أول درجة التقى يعني أنّ أول درجات التقوى عبارةٌ عن أن يعرف الإنسان موقعه فما لم يعرف الإنسان من هو وما هو، لا يمكنه أن يستفيد من تلك الثروة والجوهرة التي أودعها الله فيه. ولو طرق ألف عامٍ هذا الباب وذاك لما أمكنه أن يطوي هذا الطريق الذي يجب عليه أن يطويه فأوّلاً لا بدّ أن يعلم ما هو الاستعداد الذي لديه بماذا يختلف عن سائر الموجودات، وما هي الخصوصية التي أودعها الله فيه؟
