
ما هي حقيقة التقوى
ما حقيقة التقوى؟ وهل هي كما يفهمها عوامّ الناس عبارة عن اللامبالاة بالمأكل والملبس والمسكن؟ أم أنّها ترتبط بالغاية من الأفعال وقد تكون قلّة الطعام أو اللامبالاة بالملبس بنفسها لذّة نفسيّة تبعد عن الله؟ وما هي حقيقة اللذّة النفسيّة؟ وما حدود ما أباحه الله منها في موضوع الزواج مثلاً؟ وكيف نستفيد من شهر رمضان المبارك؟ وما هي الأعمال التي يوصي بها الأعاظم في ذلك؟ تجيب هذه المحاضرة عن هذه الأسئلة وغيرها من الفروع المرتبطة بها، وذلك ضمن شرح فقرة فهذا أوّل درجة التقى من حديث عنوان البصريّ.
ما هي حقيقة التقوى
9فعلى من يُطلق الزاهد؟ هل الزاهد هو من كان طعامه قليلاً جدًّا؟ كلاّ، ليس الأمر كذلك، فكم من الناس يشكّل لهم هذا النوع من الطعام لذّةً نفسيّة، فليس كلّما كان طعام الإنسان خفيفًا كان قربة إلى الله، هناك الكثير من الناس إذا أكلوا أكثر من المتعارف مرضوا، لا يسمح لهم الطبيب أن يأكلوا في وقتٍ ما أكثر من مقدارٍ معيّنٍ من الطعام، تناول الطعام الثقيل مكروهٌ في الليل ويسبّب المرض، فالذين يعانون من أمراضٍ في القلب وضغطٍ في الدم إذا تناولوا طعامًا ثقيلاً في الليل زاد مرضهم، فمن مصلحتهم أن يأكلوا طعامًا خفيفًا في الليل، فلو أنّ إنسانًا تناول في الليل الخبز والجبن والخضار احتراسًا من هذا المرض أو لأجل التداوي فهل يُقال إنّه زاهد؟! لو فعل هذا الإنسان خلاف ذلك فهو أحمق؛ لأنّ عمله يتنافى مع المنطق ومع القواعد العقلانيّة للصحّة والتغذية والسلامة، فليس كلّما أكل الإنسان طعامًا خفيفًا أو يسيرًا كان في نظر عوامّ الناس زاهدًا.
اللذّة النفسيّة في قلّة الطعام
في كثيرٍ من الموارد يظهر هذا الأمر للإنسان بشكل لذّةٍ نفسيّة، فالنفس في علاقتها مع الناس تعدّ هذا الأسلوب وهذه الطريقة وسيلةً للعلوّ والترفّع على الناس، يقول: انظر الجميع جالسون على المائدة والجميع يأكلون الأطعمة المتنوّعة والمختلفة الألوان وأنا هنا آكل الخبز والجبن والخضار أو الخبز والخضار فقط. فهذا الأمر وهذه الحالة النفسيّة تسبّب له لذّة لا تحدث له بتناول هذا الطعام المتنوّع ألف مرّةٍ، فهذا الإنسان ليس زاهدًا، لو كان هذا الإنسان في مكانٍ وحده بغير ناظرٍ فهل كان يأكل الخبز والجبن أم كان سيأكل من تلك الأطعمة؟! فليلاحظ نفسه عندما يجلس إلى المائدة ما هي حالتها؟ وما وضعها وما موقعها؟ فهل وجود الناس على هذه المائدة ونظرهم إليه وعدم وجودهم سيّان؟ إن كان سيّان يُعلم أنّ هذا جيّد. نعم أحيانًا يصبح الخبز والجبن عادةً للإنسان ولا شأن له باللّذة النفسيّة في كثيرٍ من الموارد لا تشكّل الأطعمة المختلفة لذّةً للإنسان، فالإنسان الظمآن لو وضعت أمامه ألف نوعٍ من الطعام فلا لذّة له، تناول الماء، الماء الذي لا يوجد شيءٌ مثله في الدنيا بلا طعمٍ، فهل لديكم شيءٌ في الدنيا بلا طعمٍ كالماء؟ ما هو طعم الماء؟ لا طعم له أبدًا. ولكنّ هذا الماء عند العطش يسبّب للإنسان لذّةً لا يسبّبها ألف نوعٍ من هذه الأطعمة على المائدة، إذا كنت في غاية العطش ثمّ جلست على المائدة فانظر هل لديك ميلٌ إلى الطعام أم لا؟ أصلاً لا تنظر، لماذا؟ لأنّ الإرادة والنفس واعتدال مزاج الإنسان تطلب في ذلك الوقت الماء الذي لا طعم له، لا طعم له. فإذا شرب الإنسان الماء وشبع من هذه الجهة ووصل إلى مرحلة الاعتدال يبدأ باشتهاء الطعام، حينها يختلف الأمر عنده بالنسبة إلى الطعام وهنا تختلف أنواع الأطعمة بالنسبة إليه.
