
ما هي حقيقة التقوى
ما حقيقة التقوى؟ وهل هي كما يفهمها عوامّ الناس عبارة عن اللامبالاة بالمأكل والملبس والمسكن؟ أم أنّها ترتبط بالغاية من الأفعال وقد تكون قلّة الطعام أو اللامبالاة بالملبس بنفسها لذّة نفسيّة تبعد عن الله؟ وما هي حقيقة اللذّة النفسيّة؟ وما حدود ما أباحه الله منها في موضوع الزواج مثلاً؟ وكيف نستفيد من شهر رمضان المبارك؟ وما هي الأعمال التي يوصي بها الأعاظم في ذلك؟ تجيب هذه المحاضرة عن هذه الأسئلة وغيرها من الفروع المرتبطة بها، وذلك ضمن شرح فقرة فهذا أوّل درجة التقى من حديث عنوان البصريّ.
ما هي حقيقة التقوى
20لماذا كان السيّد الحداد يؤكّد كثيرًا على ذلك ويقول إنّ على السالك أن يزور أولياء الله؟ فالسيّدة المعصومة هنا وهي تكفي، ولكن أيضًا هناك أولياء آخرون في مقبرة شيخان وأولياء في مقبرة عليّ بن جعفر، ولكلٍّ منهم أثرٌ خاصّ من آثار نفوسهم الطيّبة يلقونها إلى زوّارهم، لكلٍّ منهم أثر، فلذا على الإنسان أن يستفيد من ذلك.
فإذن ما كان يؤكّد عليه الأعاظم هو أنّ على السالك في الخطوة الأولى أن يُعمل كامل الدقة في أمر التغذية فلا يتناول الأطعمة التي تُسبّب غلظة الدم ونحوه، فهي مضرّةٌ للإنسان، وأن يتناول الأطعمة التي تسبّب رقّة الدم، وبعبارة أخرى صيرورةة الدم قَلَويًّا لا حمضيًا فهذه هي الأطعمة المفيدة للإنسان كالفواكه والخضار وخصوصًا الأطعمة التي هي أقلّ ثقلاً. وعلى الإنسان أن يقلّل من تناول اللحوم أو من بعض أنواعه التي تسبّب حالة الثقل، وطبعًا كلّ ذلك بشرط أن لا يفقد الإنسان قدرته وقوّته على الاستمرار في الصيام. لأنّنا تحدّثنا في إحدى السنوات حول هذه الأمور المرتبطة بشهر رمضان ويبدو أنّ بعض الرفقاء فرّطوا كثيرًا في كيفيّة تناول الأطعمة فابتلوا بأمراضٍ وقلنا إنّ هذا ليس صحيحًا ولم يكن دأب الأعاظم وأولياء الله هكذا. وقد أوصونا بالطريق الذي سلكوه هم أنفسهم، ألم تروا أنّ المرحوم العلامة كان يقول في الروح المجرد إنّه عندما كان يذهب إلى منزل السيد الحداد أوقات السحر كان يجد أنّه يتناول الخبز والخضار فكان يقول: أنا لا أستطيع ذلك، إنّه هو ومزاجه ووضعه الذي جعله الله هكذا في حالةٍ خاصّة.۱ لا شكّ أنّ الحالة المعنوية لها أثر في ذلك وسيطرة الحالات المعنوية لها أثرٌ وإلا فأن يبقى إنسانٌ من الصباح حتّى الليل صائمًا اعتمادًا على الخبز والخضار وهو يعمل في الحدادة فهذا لا يمكن أبدًا. قال المرحوم العلامة: نحن رأينا أنّه لا يمكننا ذلك، فكنت آكل الخبز والخضار هناك ثم آتي إلى البيت وآكل الباقي وذلك في حرارة كربلاء وفي فصل الصيف، في أواخر الصيف، فالطقس حارٌّ والأمزجة مختلفة أيضًا.
لذلك كنّا يومًا في منزل السيّد الحداد رحمه الله، وكنت حينها من أهل التقشّف والمبالغة الذين حدّثتكم عنهم اليوم، من أهل الزهد الخاطئ وكنت صغيرًا لا أتجاوز الثامنة عشرة، فنظر المرحوم العلامة إلى السيّد الحداد وقال: سيدنا انصحوا السيّد محمّد محسن هذا فهو لا يأكل أبدًا، فتحدّث إليّ نصف ساعةٍ وإن شاء الله سأنقل لكم بعض الكلام الذي قاله، فالكلام الذي ذكرته اليوم لم يكن منّي، كان كلامًا سمعته من الأعاظم، وكانت خلاصة كلامه هو أنّ عليك أن تأكل بحيث يكون الطعام مركبًا لك ويمكنه أن يسير بك، عليك أن تدرس وتطالع فأنت في سن الشباب، أنت الآن في مرحلة النموّ، الآن مرحلة القراءة والعمل والتحصيل والجدّ وأمثال ذلك، إذا أردت في سنّ السادسة عشرة والسابعة عشرة أن تأكل الخبز والخضار فهذا لا يمكن، وطبعًا لم أكن تلميذًا مطيعًا كثيرًا، وكي لا أجانب الصواب في كلامي فقد خالفته وأردت أن يكون وضعي أكثر خفّةً، فبعد عودتي وفي تلك السنوات الأولى التي تشرّفت فيها بالسكن في قم، قلّلت مقدارًا ما أو مقدارين عن ذلك المستوى الذي حدّده لي ثم ابتليت بالأمراض ولا زلت مبتلى، فهذا لأجل عدم الإصغاء إلى كلامه، فعندما يقولون: افعل هذا فعلى الإنسان أن يفعل، ولكن نحن نريد أن نكون ملوكيّين أكثر من الملك، كلاّ يا عزيزي، لقد جعل الله طريق الإنسان ورقيّه وتكامله في هذا وقال قم به، علينا أن لا نزايد وعلى الإنسان أن لا يقصّر أيضًا، فهذا الطريق هو طريقٌ قد رُسم بأفضل طريقةٍ.
- الروح المجرّد، ص ٣٥
