
ما هي حقيقة التقوى
ما حقيقة التقوى؟ وهل هي كما يفهمها عوامّ الناس عبارة عن اللامبالاة بالمأكل والملبس والمسكن؟ أم أنّها ترتبط بالغاية من الأفعال وقد تكون قلّة الطعام أو اللامبالاة بالملبس بنفسها لذّة نفسيّة تبعد عن الله؟ وما هي حقيقة اللذّة النفسيّة؟ وما حدود ما أباحه الله منها في موضوع الزواج مثلاً؟ وكيف نستفيد من شهر رمضان المبارك؟ وما هي الأعمال التي يوصي بها الأعاظم في ذلك؟ تجيب هذه المحاضرة عن هذه الأسئلة وغيرها من الفروع المرتبطة بها، وذلك ضمن شرح فقرة فهذا أوّل درجة التقى من حديث عنوان البصريّ.
ما هي حقيقة التقوى
18وهكذا هو الحال في كيفيّة الطعام في السحور، فالطعام الذي يتناوله يجب أن لا يكون ثقيلاً بل مقويًّا يوصله إلى الليل، فالصيام مع الضعف لا فائدة منه أبدًا، أي أن يصوم الإنسان ويغلبه الضعف. لا تتصوّروا أيّها الرفقاء يومًا ما أن نأكل يسيرًا ونضعف فيزيد الله من بركاته، كلاّ، فالضعف يؤدّي أن تتزلزل الروح في استقامتها، وضعف البدن والحالة النفسيّة والروحيّة تسيطر على الإنسان، بل يجب أن يشعر الإنسان بالجوع وفي الوقت نفسه لا يصاب بالضعف والتعب.
فإذن يتناول في الليل طعامًا خفيفًا، وعند السحور طعامًا مقويًّا يمكن أن يحافظ على الإنسان، وعلى الإنسان أن يبتعد عن الانشغالات الكثيرة، وعن كثرة الكلام في شهر رمضان، فلا يتكلّم وما لم يُسأل عن شيء فلا يبدأ هو بالكلام، ولا يقول أيّ كلام، ولو كلامًا مثل هذا: كنت آتيًا في الطريق فرأيت حادث سير! لماذا؟ كنت آتيًا فرأيت الغيوم تتلبّد. حسنًا تتلبّد فلتتلبّد. كنت آتيًا فرأيت شجارًا بين اثنين. كلّ هذا أمور لا قيمة لها...
إن شاء الله سنبيّن في بحث الصمت من حديث عنوان أنّ الكلام بنفسه ولو كان جائزًا مضرٌّ للسالك، الكلام الجائز نفسه لا المخالف للشرع لا التهمة ولا الغيبة ولا سائر الأمور المحرّمة والمخالفة للشرع كلا بل هذا الكلام المألوف والمتعارف وطبعًا ينبغي أن لا يكون الإنسان بحالةٍ من الانطواء على النفس والخصومة مع الجميع حيث تتقطّب الحواجب ولا يضحك حتى للرغيف الحار كما يقال كلا، بل على الإنسان مع المحافظة على انبساط الوجه أن يسلك سلوكًا مألوفًا ومتعارفًا، بحيث لا يؤدي إلى الإضرار بالآخرين أو خسارة حالاته، بل تكون لديه حالةٌ بين هذين الحالتين، فالكلام اللغو يؤدي إلى الخسارة، ومن جهةٍ أخرى عدم الكلام أصلاً يسبّب أن تثور حوله التصوّرات والتخيّلات والتوهّمات، فكلا هذين الأمرين خاطئٌ:
ره جنان رو كه رهروران رفتن *** يقول: اسلك الطريق كما سلكه السالكون.
وقد كان الأعاظم يؤكّدون على ذلك كثيرًا.
الأفضل أن يصوم الإنسان في شهر رمضان المبارك ما أكّد عليه الأعاظم من صوم خواصّ الخواصّ، والذي يختصّ بالخواصّ من أولياء الله والذي لا يُحضر فيه الإنسان إلى ذهنه سوى الله.
