
ما هي حقيقة التقوى
ما حقيقة التقوى؟ وهل هي كما يفهمها عوامّ الناس عبارة عن اللامبالاة بالمأكل والملبس والمسكن؟ أم أنّها ترتبط بالغاية من الأفعال وقد تكون قلّة الطعام أو اللامبالاة بالملبس بنفسها لذّة نفسيّة تبعد عن الله؟ وما هي حقيقة اللذّة النفسيّة؟ وما حدود ما أباحه الله منها في موضوع الزواج مثلاً؟ وكيف نستفيد من شهر رمضان المبارك؟ وما هي الأعمال التي يوصي بها الأعاظم في ذلك؟ تجيب هذه المحاضرة عن هذه الأسئلة وغيرها من الفروع المرتبطة بها، وذلك ضمن شرح فقرة فهذا أوّل درجة التقى من حديث عنوان البصريّ.
ما هي حقيقة التقوى
14فماذا فعل أمير المؤمنين؟ قاموا معه بكلّ تلك الأعمال ومع ذلك تعامل معهم وكأنّ شيئًا لم يكن.
لم يكن عمر يحمل همّ الإسلام، لم يكن يحمل همّ خلافته. لو كان يحمل همّ الإسلام لما قال: الصلاة خير من النوم بدلاً من حيّ على خير العمل. لقد كان فاتحًا للبلدان، كان يريد الإسلام في ظل خلافته هو لا الإسلام بدون الخلافة، لذلك لو عجز لقال: فليرجع الإسلام إلى الكفر ما شأني أنا؟ ألم يفعل معاوية ذلك؟ عندما تغلّب على الإمام الحسن عليه السلام جاء إلى الكوفة وقال: لا يهمّني عملكم، لا صلاتكم ولا صيامكم، إنّما قاتلت عليًّا والحسن وقاتلتكم لأتأمّر عليكم، لا يهمّني دينكم، إنّما تهمّني دنياكم، قالها بصراحة، قال كلّ ما في قلبه. قال: أنا لا شأن لي بدينكم فإن شئتم حجّوا أو لا تحجّوا وصلّوا أو لا تصلّوا فالأمر هو لصالحنا فإنّا نصل إلى أهدافنا أسرع. نحن نريد أن نردّ الإسلام إلى الجاهليّة، نريد أن نردّه، فلا تصلّوا واجلسوا! نحن نريد أن نحكم ونتولّى الخلافة وقد فعلنا ووصلنا إلى هدفنا.
فعمر هذا في مثل هذه الظروف يشاور أمير المؤمنين، وأمير المؤمنين يعلم أنّ الإسلام في هكذا أحوال يحتاج إلى مشورته، فيهتمّ بالإسلام. هكذا هم أولياء الله. فالمقام والمنصب لا يهمّ أولياء الله، وسواء كانوا أصحاب مقام أم لم يكونوا وسواء أخذوا منهم المقام أم لم يأخذوا وكانوا متنحّين أم لم يكونوا، كيف هي أحوالهم؟ هناك جانب واحد يلاحظونه وهو عبارة عن ذلك المعيار الذي ذكره والذي قدّمه الإمام الصادق عليه السلام، ينظر فيرى أنّ هذا العمل هو موضع رضا للّه أم لا؟ فقط هذا وينتهى الأمر، ولا يهمّه الماضي والحاضر وهذا وذاك. حتّى الآن وهو يطلب المشورة منّي فإنّه يأتي غدًا ويوقعني في تلك المشكلة، لا شأن لي بذلك. يعلم أنّه يأتي غدًا وينزل على رأسه هذا البلاء يعلم، ورغم ذلك يقول: مصلحتك الآن أن تقوم بهذا العمل، فيذهب ذاك ويقوم به، يقوم به. لماذا؟ لأنّ العلّة الغائيّة لهذا الأمر هي شيء آخر.
