
ما هي حقيقة التقوى
ما حقيقة التقوى؟ وهل هي كما يفهمها عوامّ الناس عبارة عن اللامبالاة بالمأكل والملبس والمسكن؟ أم أنّها ترتبط بالغاية من الأفعال وقد تكون قلّة الطعام أو اللامبالاة بالملبس بنفسها لذّة نفسيّة تبعد عن الله؟ وما هي حقيقة اللذّة النفسيّة؟ وما حدود ما أباحه الله منها في موضوع الزواج مثلاً؟ وكيف نستفيد من شهر رمضان المبارك؟ وما هي الأعمال التي يوصي بها الأعاظم في ذلك؟ تجيب هذه المحاضرة عن هذه الأسئلة وغيرها من الفروع المرتبطة بها، وذلك ضمن شرح فقرة فهذا أوّل درجة التقى من حديث عنوان البصريّ.
ما هي حقيقة التقوى
11التقوى والبعد عن المناصب
هناك الكثير من الناس بسبب عدم التدبير الصحيح والتربية الصحيحة وتصحيح النفس في طريق الأخلاق يبتلون أثناء مسيرهم بهذه المشكلة. فلأنّ النفس لا يمكنها أن تشبع بهذه الملذّات التي لدى العوام، يغني نفسه ويملؤها ويعطيها نصيبها من هذه الحياة بواسطة اللذّات التي يبحث عنها العوام، فيجعل هذه اللذّة في قالب الأمور التي تشدّ أنظار الناس والمؤمنين من المجتمع، ففي كيفيّة ملبسه يلبس ثيابًا تجعله في نظر المجتمع في مستوى متدنٍّ، وفي كيفيّة تناول الطعام يتناول طعامًا يشدّ أنظار الناس، وفي كيفيّة التعاطي مع أمور الدنيا والمراكز ينزوي لا عن تدبّرٍ عقلانيٍّ وانعزالٍ عن المشاغل للاهتمام بالمعنويّات وأمور الآخرة والتقرّب، بل يجعل نفسه إنسانًا متميّزًا عن المجتمع ومنعزلاً عن أفكاره وميوله وشهواته المألوفة. لا يقبل بالمسؤوليّة لا لأنّ المسؤولية تصرفه عن التوجّه، بل لأنّه لا يرى نفسه في مستوى الآخرين الذين قبلوا بهذه المسؤوليّة فيتنحّى عنها. لا يقبل منصبًا لا لأنّ هذا المنصب يمنعه عن الله، بل لكي يقول للآخرين: عُرِض عليّ وأنا رفضت، لكي يرى نفسه بين أقرانه والمحيطين به في جوٍّ من الشخصية وفي غطاءٍ من الأنانية يتنافى مع القبول بهذه المسؤوليّة، فلهذا لا يقبلها.
فليست حقيقة الأمر أنّه كلّما رفض الإنسان منصبًا فهو معرضٌ عن الدنيا كلا، ليس الأمر كذلك. والدواعي النفسيّة الكامنة وراء الأمر خفيّةٌ علينا ولكنّ الله مطّلع وأولياء الله مطّلعون، فليس كلّ من ابتعد عن أمور الدنيا معرضٌ عنها.
لقد اقترح أمير المؤمنين على الربيع بن خثيم أن خذ ولاية ذلك البلد، وأراد أن يجعله أحد قادته في معركة صفيّن، يريد أن يعطيه منصبًا وقيادةً للجيش. فقال: يا علي ما لي وللحرب؟! أرسلني إلى مكانٍ أصلّي فيه وأشتغل بالعبادة. فهل هذا إنسانٌ زاهدٌ وعابد؟!
وسعد بن أبي وقاص من صحابة النبيّ والذي فتح إيران في معركة الإسلام ضدّ الكفر في إيران في زمان عمر بن الخطاب، كان هو القائد وزحف نحو إيران ولما وصلت الحكومة إلى أمير المؤمنين تنحّى جانبًا، ويعدّه أهل السنة من العشرة المبشّرين من الزهّاد والعبّاد الذين بشّرهم النبيّ بالجنّة، وسعد بن أبي وقّاص هذا لم يبايع أمير المؤمنين، لماذا لم يبايع؟! لماذا بايعت عمرًا؟! لماذا بايعت عثمان؟! لماذا إذا صرت في زمان عليّ بن أبي طالب عليه السلام امتنعت عن البيعة، لماذا؟!
